دستور جديد لموريتانيا: هل نغيّر النص أم نعيد بناء السلطة؟»

Image
chinguitel
التاريخ 04 October 2026 آخر تحديث 04 October 2026

تنبع أهمية النقاش حول كتابة دستور جديد لموريتانيا من سؤال يتصل بمستقبل الدولة: كيف نبني مؤسسات تحمي الحقوق، وتوازن السلطات، وتضمن استمرارية الحكم وانتقاله السلمي؟ فقيمة الدستور تُقاس بما يوفره للمواطن من حماية، وما يفرضه على المسؤول من التزامات، وما يمنحه للمؤسسات من قدرة على العمل والمحاسبة.
والدستور النافذ، الذي يعود أصله إلى سنة 1991 وعُدّل في 2006 و2012 و2017، يستحق تقييمًا شاملًا يحدد ما ينبغي الحفاظ عليه وما يحتاج إلى إصلاح. فتعدد التعديلات لا يثبت وحده وجود خلل، كما أن قدم النص لا يسقط صلاحيته؛ لكن تراكم التغييرات يبرر فحص اتساق البناء الدستوري، ومدى ملاءمته لحاجات البلاد وتطلعات مجتمعها.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين تعديل تقني يعالج مسألة محددة، ومراجعة شاملة تعيد تنظيم المؤسسات داخل الدستور القائم، وصياغة دستور جديد يعبر عن تسوية وطنية أوسع. والاختيار بين هذه المسارات يحتاج إلى دليل: ما الاختلال الذي ثبت وجوده؟ وهل مصدره الدستور، أم القانون، أم الممارسة؟ وما الذي سيضيفه الإصلاح المقترح؟
المبرر الأقوى هو إعادة التوازن بين السلطات. فالصلاحيات الرئاسية الواسعة في الدستور القائم تجعل السؤال عن فعالية الرقابة المقابلة مشروعًا وضروريًا. وتحتاج موريتانيا إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات، وإلى برلمان يستطيع مساءلة الحكومة، وقضاء يحمي الحقوق، ومؤسسات رقابية تتابع استخدام المال العام. وكلما كانت حدود الاختصاص والمسؤولية أوضح، أمكن تقليل التداخل والتهرب من المحاسبة.
لذلك، فإن الإصلاح الجاد ينبغي أن يحدد من يقرر، ومن ينفذ، ومن يراقب، وكيف تُحل الخلافات بين المؤسسات. ويشمل ذلك تقوية لجان التحقيق البرلمانية، وضمان حقوق المعارضة، وإخضاع بعض التعيينات الحساسة لإجراءات شفافة، وضبط استعمال الصلاحيات الاستثنائية. فحسن النيات لدى المسؤولين يكتسب أثرًا مستدامًا عندما تسنده قواعد تعمل في مختلف الظروف.
ويأتي استقلال القضاء في صميم هذا البناء. فالدستور يقر استقلال السلطة القضائية، ويجعل رئيس الجمهورية ضامنًا له ورئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء. وهذا الترتيب يستدعي تقييمًا دقيقًا لضمانات التعيين والترقية والنقل والتأديب، ومدى حمايتها للقاضي من التأثير الخارجي. والمطلوب مجلس أعلى للقضاء يتمتع باستقلال فعلي وتشكيلة متوازنة، ومسار مهني يقوم على الكفاءة، وميزانية تتيح أداء العدالة، مع آليات واضحة للمساءلة عن الأخطاء المهنية. فالاستقلال والمحاسبة ضمانتان متكاملتان لثقة الناس في القضاء.
أما حماية التناوب السلمي، فهي معيار حاسم للحكم على أي مشروع دستوري. وقد حصّنت المادة 99 مبدأ التناوب وحدّ المأموريتين الرئاسيتين. وينبغي أن يحافظ الإصلاح على هذه الضمانة، وأن يوضح احتساب المأموريات السابقة منعًا لأي تأويل يفتح باب تصفيرها. كما ينبغي تعزيز نزاهة الانتخابات، وحياد الإدارة والمؤسسات العسكرية والأمنية، ووضوح إجراءات انتقال السلطة. فتغيير الوثيقة لا يكفي لحماية الديمقراطية إذا بقيت شروط المنافسة غير متكافئة أو كانت المؤسسات عاجزة عن إنفاذ قواعدها.
ويتصل بذلك تجديد التوافق الوطني حول الدولة وحقوق مواطنيها. فالمشاركة الشعبية في إعداد الإصلاح تمنحه سندًا أوسع، وتتيح مناقشة القضايا التي تمس حياة الناس. لكن الاستناد إلى هذا المبرر يقتضي الإنصاف التاريخي؛ فتعديلات 2006 أُقرت باستفتاء شعبي، وإن ظل تقييم اتساع المشاركة في إعدادها مسألة قابلة للنقاش. والمطلوب اليوم هو إتاحة مشاركة أعمق في تشخيص المشكلات وصياغة الحلول، وتقديم مشروع مفهوم يمكن للمواطنين تقييمه قبل إقراره.
وتبرز المواطنة المتساوية بوصفها أساسًا للوحدة الوطنية. فالدستور يعترف بالتنوع الثقافي واللغات الوطنية، ويضمن المساواة؛ والتحدي هو تقوية وسائل إنفاذ هذه المبادئ. ويقتضي ذلك ضمان تكافؤ الفرص، ومكافحة التمييز، ومعالجة آثار الظلم، وتطوير اللغات الوطنية ضمن سياسة واضحة وقابلة للتنفيذ. كما يستدعي بناء إدارة يشعر المواطن بأن أبوابها تُفتح وفق الكفاءة والحق، وأن خدماتها تصل إليه دون اعتبار لأصله أو انتمائه.
وتحتاج هذه المواطنة إلى لامركزية فعلية وشفافية مالية. فالمجالس المحلية لا تستطيع تحمل مسؤوليات التنمية دون اختصاصات محددة وموارد مناسبة، ومحاسبة واضحة أمام السكان. وينبغي أن يضمن البناء الدستوري مبادئ عدالة توزيع الموارد واستقلال الرقابة المالية والحق في المعلومات، بينما تتولى القوانين تنظيم التفاصيل. وقد أبرز تشخيص الحوكمة الصادر عن صندوق النقد الدولي سنة 2023 الحاجة إلى إصلاحات في المالية العامة والصفقات والمؤسسات العمومية؛ وهي أدلة تدعم الإصلاح المؤسسي، دون أن تحسم وحدها ضرورة استبدال الدستور.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، أرجّح لموريتانيا جمهورية إسلامية مدنية، ديمقراطية واجتماعية، موحدة ولامركزية، بنظام شبه رئاسي متوازن. والمقصود بمدنية الدولة خضوع ممارسة السلطة للمؤسسات والقانون، وحياد الأجهزة العسكرية والأمنية تجاه المنافسة السياسية، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية للبلاد.
وفي هذا التصور، يحتفظ الرئيس المنتخب مباشرة بصلاحيات محددة وواضحة، وتستند الحكومة إلى أغلبية برلمانية وتتحمل مسؤولية السياسات العامة أمام البرلمان. ويحتاج هذا التوزيع إلى قواعد دقيقة تمنع تنازع الصلاحيات وتعطل القرار، وإلى رقابة دستورية مستقلة تفصل في الخلافات. ويمكن دعم استقرار الحكومة بآلية حجب الثقة البنّاء، التي تربط إسقاطها باختيار بديل، كما في التجربة الألمانية.
ويظل هذا الخيار تقديرًا قابلًا للنقاش الوطني، لا نموذجًا جاهزًا يُنقل من الخارج. فالنظام الأنسب هو الذي يجمع القدرة على الحكم مع المحاسبة، ويحمي الحقوق، ويلائم واقع البلاد وقدرات مؤسساتها.
وعليه، تصبح كتابة دستور جديد مبررة إذا اتجه توافق وطني واسع إلى إعادة بناء متكاملة للنظام السياسي، وثبت أن التعديلات المحددة لا تحققها بالوضوح والاتساق المطلوبين. أما إذا أمكن إنجاز الغاية بمراجعة شاملة وشرعية، فذلك مسار معتبر أيضًا. وفي الحالتين، ينبغي أن تسبق الصياغةَ دراسةٌ معلنة، ومشاورات واسعة، وضمانات لاستقلال العمل، وأن تتبعها قوانين تنفيذ بآجال محددة.
إن الفرصة التي يحملها النقاش الدستوري هي أن تتفق موريتانيا على قواعد تثق بها حين تختلف، ومؤسسات تستمر حين يتغير المسؤولون. ونجاح هذا المسعى سيظهر حين يجد المواطن حقه أمام القضاء، وصوته في البرلمان، وفرصته في الإدارة، ونصيبه العادل من موارد الوطن. عندئذ يصبح تجديد الدستور خطوة راسخة نحو دولة أقوى بمؤسساتها، وأكثر عدلًا مع مواطنيها.

د محمد الأمين شريف أحمد

Image
mrtel