حين تغادر شحنة من المعادن أرض موريتانيا، ينبغي أن يبقى منها ما يتجاوز عائدًا ماليًا عابرًا: عمل لشاب، وماء لقرية، وتجهيز لمستشفى، وخبرة وطنية تبني المستقبل. فالمعادن تنفد، وقيمة استغلالها تُقاس بما تتركه من تنمية. ومن هنا تأتي أهمية مشروع مدونة التعدين: تحويل ثروة قابلة للنضوب إلى منفعة وطنية باقية.
وتكشف الأرقام حجم الرهان؛ ففي تازيازت وحده، بلغت الاحتياطيات المؤكدة والمرجحة بنهاية 2025 نحو 4.4 ملايين أوقية من مكافئ الذهب، أي قرابة 137 طنًا. وهذه احتياطيات منجم واحد، وليست مجموع احتياطيات البلاد، كما تختلف عن الموارد الجيولوجية التي لم تثبت بعد جدوى استخراجها اقتصاديًا.
وتسجل تقارير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية إنتاج نحو 20.08 طنًا من الذهب سنة 2022، و25.32 طنًا سنة 2023، و22.30 طنًا سنة 2024.
أما رقم أعمال تازيازت، فارتفع من 37.38 مليار أوقية جديدة سنة 2022، إلى 46.68 مليارًا سنة 2023، ثم 58.21 مليارًا سنة 2024، بمجموع يقارب 142.27 مليار أوقية جديدة خلال ثلاث سنوات. وعلى المستوى الوطني، بلغت صادرات الذهب، وفق الوكالة الوطنية للإحصاء، نحو 64 مليار أوقية جديدة سنة 2024، بزيادة 24% عن 2023، ومثلت 38% من صادرات البلاد. ومبيعات الشركة وصادرات البلاد مؤشّران متداخلان لا يُجمعان، ولا يمثل أيٌّ منهما أرباحًا صافية أو إيرادات للخزينة؛ لكن حجمهما يمنح سؤال المواطن قوته: كم يتحول من هذه الثروة إلى فرص وخدمات وقدرات وطنية؟
وتستحق مبادرة وزارة المعادن والصناعة إلى التشاور حول المشروع التثمين، وتزداد قيمتها بمشاركة الشركات والمنقبين والعمال والبلديات والخبراء، وإتاحة مضامينه للنقاش، وإظهار أثر المقترحات في أحكامه. ومن دون استباق تقييم مواده، ينبغي أن يقود الحوار سؤال واضح: كيف نمنح المستثمر الثقة، والدولة أدوات صون حقوقها، والمواطن نصيبًا أكبر من ثروته؟
تبدأ الإجابة من الرخصة المعدنية: شروط واضحة، وآجال محددة، وقرارات معللة قابلة للطعن، مقابل استغلال فعلي والتزامات يمكن التحقق منها، وإعادة المساحات غير المستغلة إلى الدورة الاقتصادية بإجراءات منصفة. ويخدم ذلك سجل معدني رقمي متاح للعموم، يبين حدود الرخص وأصحابها ومددها ووضعيتها، مع الإفصاح عن المالكين الحقيقيين وضبط تضارب المصالح؛ لحماية المستثمر من النزاع، والإدارة من الشبهة، والثروة من الاحتجاز والمضاربة.
ويحتاج العائد المالي إلى موازنة مردودية الاستثمار مع حق الدولة في مورد لا يتجدد، عبر التزامات مستقرة، وإعفاءات مبررة ومحددة قابلة للتقييم، وآليات معلومة مسبقًا لتقاسم العوائد الاستثنائية عند ارتفاع الأسعار. ويتطلب ذلك قدرة على تدقيق الإنتاج والصادرات والتكاليف والمعاملات بين الشركات المرتبطة؛ فتحسين التحصيل وضبط الوعاء قد يكونان أجدى من رفع نسب تُطبق على بيانات ناقصة. وتكتمل الرقابة بنشر ما استُخرج، وما حصلت عليه الدولة، وما مُنح من إعفاءات، ليقوم التقييم على معلومات موثوقة وتظهر نتائج عمل المؤسسات.
وفي قلب الإصلاح يقف المنقب الأهلي، الذي يحتاج إلى مناطق معلومة وخرائط دقيقة وإجراءات بسيطة ورسوم متناسبة وخدمات للتحليل والإرشاد والسلامة. ويستدعي ذلك تنسيق المدونة مع نصوص هذا النشاط، وتوضيح الفواصل بين التعدين الأهلي وشبه الصناعي والصناعي، وربط الالتزامات بحجم النشاط ومخاطره.
ومن المقترحات العملية اعتماد رخصة أهلية أساسية صغيرة، محددة بالإحداثيات، لا يتجاوز رسمها السنوي عشرة آلاف أوقية جديدة، ولا يجوز للفرد حيازة أكثر من سبع رخص سارية؛ لتيسير دخول صغار المنقبين وتوسيع الاستفادة والحد من تركز المواقع. ويكتمل التنظيم بسقف جغرافي لمساحة الرخصة الواحدة، بما فيها أكبر فئات الرخص الأهلية، وسقف إجمالي للمساحات التي يمكن للفرد جمعها.
ويظل سقف العشرة آلاف أوقية خاصًا بالرخصة الأساسية، بينما تخضع المساحات الأكبر لشرائح معلنة، ترتفع فيها الرسوم بنسبة تفوق نسبة زيادة المساحة، فترتفع كلفة المتر المربع كلما اتسعت الحيازة، دون تجاوز السقف الجغرافي. وهكذا تبقى كلفة الموقع الصغير ميسرة، ويتحمل طالب المساحة الأكبر مقابلًا أعلى لما يستأثر به من فرص الانتفاع. ولضمان الفعالية، ينبغي منع التحايل بأسماء الغير والتجزئة الصورية، وربط استمرار الترخيص باستغلال فعلي خلال آجال محددة.
كما يجب تحديد المساحات وفق طبيعة المواقع ومتطلبات السلامة، وتنظيم الممرات ومسافات الأمان وامتداد الأعمال تحت الأرض، حتى لا يؤدي توسيع الاستفادة إلى تداخل الحفر والأنفاق وتعريض الأرواح للخطر. وتحتاج مناطق التماس مع أصحاب الرخص إلى إجراءات معلنة للنزاع والتظلم، تحترم الحقوق القائمة وتنظم الانتقال والتعويض حيث يستحق قانونًا. وتساعد التعاونيات والتسويق المنظم والتحاليل الموثوقة على تحسين دخل المنقب وإدماجه في الاقتصاد الرسمي؛ فالامتثال يتسع حين يصبح ممكنًا ومفيدًا.
وللمناطق الحاضنة للتعدين حق في العمل والخدمات وحماية المياه والأراضي. لذلك، يجدر إقرار آلية قانونية واضحة لتمويل التنمية المحلية من عوائد القطاع، تراعي التأثر البيئي والضغط على الخدمات وحاجات السكان، وتخضع لقواعد الميزانية والرقابة ونشر النتائج. وتتجسد الثقة حين يلمس المواطن الأثر في مدرسته ومركزه الصحي وشبكة مياهه، ويشارك في ترتيب الأولويات، ويجد مسارًا منصفًا لمعالجة الأضرار والشكاوى.
ويمتد الأثر التنموي إلى خبرات ومؤسسات وخدمات تبقى بعد المنجم، عبر التكوين ونقل المهارات، وإتاحة فرص حقيقية للموردين الوطنيين بأهداف قابلة للقياس وبرامج تأهيل وآجال دفع منصفة، ومنع الواجهات المحلية الشكلية. كما يستحق التحويل المحلي التشجيع متى أثبتت معطيات الطاقة والمياه والإنتاج والأسواق جدواه.
أما البيئة والسلامة، فتُحتسب كلفتهما منذ البداية؛ فلا تُوزع أرباح اليوم وتُترك أعباء المواقع المهجورة والمياه المتضررة للدولة والسكان غدًا. ويقتضي ذلك خططًا للإغلاق وإعادة التأهيل، وضمانات مالية مناسبة، ورقابة على المخلفات والمواد الخطرة، وتفتيشًا فعليًا لظروف العمل، وتدريبًا وإنقاذًا وإبلاغًا عن الحوادث.
ويبقى التنفيذ الاختبار الحاسم: نصوص تطبيقية في آجال واضحة، واختصاصات تمنع تداخل المسؤوليات، وكفاءات للمتابعة، وأحكام انتقالية تحفظ الأمن القانوني، وتقييم سنوي معلن لنتائج الترخيص والتحصيل والتشغيل والتوريد الوطنيين وتسوية النزاعات وحماية البيئة والعاملين.
إن موريتانيا أمام فرصة لصياغة علاقة أنضج مع ثروتها: استقرار للمستثمر، وفرصة عادلة للمنقب، وأدوات فعالة للدولة، وتنمية ملموسة للمجتمعات المحلية. وعندها يُقرأ نجاح المدونة في حياة الناس، وتتحول المعادن إلى قدرات تبقى بعد نفادها. فالأرض تفقد جزءًا من ثروتها مع كل استخراج؛ والمطلوب أن يكسب الوطن، في المقابل، جزءًا من مستقبله.
د محمد الأمين شريف أحمد