التهريب في الحوض الشرقي..حين يُترك النافذون أحرارًا ويُدفع المستضعفون إلى واجهة الاتهام!

Image
chinguitel
التاريخ 03 November 2026 آخر تحديث 03 November 2026

*التهريب في الحوض الشرقي:* *حين يُترك النافذون أحرارًا ويُدفع المستضعفون إلى واجهة الاتهام، فأين العدالة وأين دولة القانون؟*
ليست العدالة أن يُلقى بالمستضعفين خلف القضبان، بينما يواصل أصحاب النفوذ أنشطتهم في الظل، وليست دولة القانون أن يُحمَّل الضعفاء وحدهم أوزار منظوماتٍ أكبر منهم، ثم يُترك الرأي العام يتفكّه بمآسيهم، وكأن سلب الحرية من المحرومين مشهدٌ عابر لا يستحق مساءلةً ولا إنصافًا.
ما يجري في ملف تهريب الذهب بولاية الحوض الشرقي يثير أسئلةً مشروعة ومقلقة، لا يجوز تجاهلها أو القفز عليها. فهناك، بحسب المعطيات المتداولة، شبكاتٌ يُشتبه في نشاطها في تهريب الذهب، تتخذ من الدكاكين وباصات نقل البضائع وغيرها من وسائل النقل غطاءً لأعمالها، وتستغل حاجة الفقراء إلى العمل وضيق خياراتهم المعيشية، لتجعل منهم أدواتٍ في عمليات قد لا يملكون القدرة على فهم أبعادها، ولا النفوذ الذي يحمي القائمين عليها.
والمؤلم في هذه الصورة أن تتحول الحاجة إلى العمل إلى مدخل للاستغلال، وأن يجد المهمشون أنفسهم في مواجهة القانون، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة: من يقف وراء هذه الشبكات؟ ومن يموّلها؟ ومن يؤمّن مساراتها؟ ومن يملك القدرة على مواصلة نشاطه رغم ما يثار حوله من شبهات؟ ولماذا تنصبّ الإجراءات، في نهاية المطاف، على الحلقة الأضعف، بدل أن تمتد إلى جميع الأطراف المحتمل تورطها، دون تمييز بين قوي وضعيف، أو صاحب نفوذ وعديم سند؟
إن الحديث هنا ليس دفاعًا عن التهريب، ولا تبريرًا لأي فعل مجرّم، وإنما هو دفاع عن مبدأ أسمى: أن المسؤولية الجنائية فردية، وأن العدالة لا تُقاس بقدرة الدولة على اعتقال الضعفاء، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، أيًّا كانت الأسماء التي تقود إليها، ومهما كانت المواقع التي يشغلها أصحابها.
وتزداد خطورة القضية، وفق ما يُتداول بشأنها، حين يُقال إن أشخاصًا من الفئات الهشة ظلوا رهن الاعتقال خمسة أيام، دون تمكينهم من الاتصال بذويهم أو الحصول على فرصة فعلية للدفاع عن أنفسهم. وهي ادعاءات، إن ثبتت، تستوجب التحقق العاجل والمساءلة؛ لأن كرامة الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة ليستا امتيازًا يمنح للميسورين وأصحاب المكانة، بل حقان أصيلان لا يجوز الانتقاص منهما بسبب الفقر أو التهميش أو العجز عن الاستعانة بأصحاب النفوذ.
والأشد إثارةً للاستغراب ما يُثار من حديث عن تهريب مواد إلى الجارة مالي، ثم وقوع سرقة هناك، واعتقال أشخاص يُشتبه في صلتهم بتلك السرقة لدى السلطات الموريتانية، في الوقت الذي يظل فيه ملف التهريب الأصلي بحاجة إلى إجابات واضحة ومساءلة شاملة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإننا أمام وقائع متشابكة تتطلب تحقيقًا جادًا يحدد المسؤوليات في كل مرحلة، ويفصل بين جريمة التهريب وجريمة السرقة، ويمنع أن تتحول إحداهما إلى وسيلة لحجب المسؤولية عن الأخرى.
فكيف يُتصور أن يُلاحَق المستضعف في نهاية السلسلة، بينما لا تصل المساءلة بالضرورة إلى من يُشتبه في أنهم صنعوا السلسلة وأداروا حلقاتها؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقة في مؤسسات الدولة ليس وقوع الجريمة وحده، بل أن يشعر المواطن بأن القانون يشتد على من لا سند له، ويلين كلما اقتربت المساءلة من دوائر المال والنفوذ. وإذا كانت هناك علاقات أو حماية أو وساطات تُستغل لتأمين أنشطة غير مشروعة، فإن الواجب يقتضي التحقيق فيها بكل استقلالية وصرامة، لا أن تتحول المزاعم بشأنها إلى أحكام مسبقة، ولا أن تُترك في المقابل بلا فحص أو مساءلة.
ولا ينبغي أن يُفهم من المطالبة بالإنصاف أن ثمة أحدًا فوق القانون، أو أن الفقر يمنح حصانة من المسؤولية؛ بل إن دولة القانون الحقيقية هي التي لا تمنح حصانةً للنافذين، ولا تدين الفقراء لمجرد ضعفهم، ولا تستبدل التحقيق بالتشهير، ولا تجعل من الاعتقال نهايةً للقضية قبل أن يكون بدايةً لكشف الحقيقة.
إننا أمام سؤال يتجاوز الذهب والتهريب والموقوفين: أيُّ عدالة نريد؟ عدالةً تلاحق الفعل الإجرامي أينما وقع، وتصل إلى كل من تثبت مسؤوليته، أم عدالةً تتوقف عند أبواب النفوذ وتستسهل التضحية بمن لا يملكون صوتًا ولا سندًا؟
إن ولاية الحوض الشرقي ليست بحاجة إلى مشاهد التندر على المعتقلين، ولا إلى تبادل الاتهامات دون أدلة؛ بل هي بحاجة إلى كشف الحقيقة، وحماية الحقوق، ومحاسبة كل متورط وفق ما يثبت عليه، واستعادة الثقة في أن القانون لا يعرف الأسماء الكبيرة والصغيرة، وإنما يعرف الأفعال والأدلة والمسؤوليات.
فأطلقوا يد العدالة لتصل إلى الحقيقة كاملة، ومكّنوا الموقوفين من حقوقهم القانونية، وافتحوا تحقيقًا جادًا في شبكات التهريب ومصادر حمايتها المحتملة، إن وُجدت، ولا تجعلوا من فقر الناس ستارًا يُحجب خلفه أصحاب المصالح.
فدولة القانون لا تُختبر حين تحاكم الضعيف، وإنما حين تملك الشجاعة لتحاسب القوي. والعدالة لا تكتمل بإغلاق أبواب السجون على المتهمين، بل بكشف الحقيقة، وصون الكرامة، وضمان ألا يفلت مذنب بسبب نفوذه، وألا يُظلم بريء بسبب فقره.
تلك هي العدالة التي يستحقها المواطن، وذلك هو الاختبار الحقيقي لهيبة الدولة وسيادة القانون.

أبي ولد معاذ 

Image
mrtel