سيدنا ولد السبتي. يكتب /؟صيانة الثغور: في المسؤولية التاريخية لحملة الشريعة وحراس المنابر

Image
chinguitel
التاريخ 27 June 2026 آخر تحديث 27 June 2026

في الأزمنة التي تختلط فيها الأصوات، وتتشابك فيها الرايات، وتتكالب فيها المذاهب الهدامة على أصول الإسلام وثوابته، لم يعد المنبر خشبة للوعظ، ولا صارت الفتيا جوابا عابرا لسائل، بل غدا كل منبر ثغرا من ثغور الأمة، وكل عالم مرابطا على حدود العقيدة، فإن أحسن الحراسة حفظ الله به أمة، وإن غفل أو تهاون انفتح من ورائه باب لا يغلق إلا بعد أن يعصف بالقلوب والعقول.
وإن ما تشهده الساحة اليوم من حملات شعواء تستهدف العلماء والدعاة والمؤسسات الدينية، ليس حادثة معزولة ولا خصومة عابرة، وإنما هو فصل متجدد من مشروع طويل يراد منه اقتلاع المرجعية الإسلامية من نفوس الناس، وإسقاط هيبة أهل العلم، حتى يخلو الميدان لأرباب الإلحاد ودعاة العلمنة وتجار الشبهات. وما أولئك إلا جنود لمشروع واحد، اختلفت ألسنتهم وتوحد مقصدهم، وهو قطع الصلة بين الأمة ودينها، وبين الجماهير ومرجعياتها العلمية.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الخصوم لا يتسللون إلى الحصون إلا من الثغرات، ولا يجدون إلى التشكيك سبيلا إلا إذا وجدوا من أبناء الصف من يفتح لهم الأبواب، أو يمد لهم الجسور، أو يمنحهم الذرائع التي يتكئون عليها في حربهم على الإسلام.
ومن أجل ذلك فإن صيانة الدين لا تكون بكثرة الردود وحدها، وإنما تكون قبل ذلك بتطهير الصف، وتنقية الخطاب، وحراسة أخلاق العلماء والدعاة من كل ما يشينها، لأن الأمة لا تنتصر بالحجة المجردة إذا هزمتها الأخلاق، ولا يغنيها صدق الفكرة إذا خانها صدق صاحبها.
وأعظم ما ينبغي أن يتنزه عنه أهل الفقه والخطابة ثلاث موبقات تهدم هيبة العلم من أساسها.
أولها: الكذب والتدليس.
فالكذب ليس زلة لسان، بل سقوط في العدالة، وانهيار في المروءة، وانتحار للثقة التي هي رأس مال العالم. والعالم قد يخطئ في اجتهاده فيعذر، وقد يغيب عنه وجه الصواب فيغفر له، أما إذا عرف عنه الكذب أو التدليس أو لي أعناق النصوص وتزوير الوقائع خدمة لموقف أو انتصارا لهوى، فقد هدم بيده المنبر الذي يقف عليه. وما أسرع ما يلتقط أعداء الإسلام تلك السقطات ليجعلوا منها معولا يهدمون به صورة الدين كله، ويقولوا للناس: لو كان الحق مع هؤلاء لما احتاجوا إلى الباطل نصيرا.
وثانيها: المساومة على العقيدة ومجاملة الباطل.
فالدين ليس ثوبا يفصل على مقاس الأهواء، ولا سلعة تعرض في سوق الأفكار طلبا للقبول، ولا خطابا يلون بحسب أمزجة الجماهير. إن من يميع القطعيات، ويهون الثوابت، ويلبس الحق بالباطل استرضاء لشرق أو غرب، إنما يعلن هزيمته النفسية قبل أن ينطق لسانه. وقد علمنا القرآن أن رضا أهل الباطل غاية لا تدرك، وأن طريق المجاملة في الأصول لا ينتهي إلا بذهاب الهيبة وضياع الهوية وانكسار الشخصية الإسلامية.
وثالثها: الارتهان لأصحاب المال والنفوذ.
فإذا أصبح العالم أسيرا لموائد الأثرياء، أو رهينة لرضا أصحاب السلطان، أو جعل ميزان الفتوى والخطابة يدور مع مصالح النافذين، فقد خان الأمانة التي حملها، وأضاع الرسالة التي شرفه الله بها. إن العالم الحق لا يبيع دينه بعرض من الدنيا، ولا يجعل الحق تابعا للمصلحة، ولا يزن الرجال بأموالهم، وإنما يقف شامخا، عزيز النفس، مستغنيا بالله، يصدع بالحق ولو غضب أهل الأرض جميعا، لأن من خشي الخلق سقط، ومن خشي الله ارتفع.
إن الأمة لا تحتاج إلى علماء يزينون الواقع، بل إلى علماء يغيرونه. ولا تحتاج إلى خطباء يهادنون الباطل، بل إلى رجال يقتحمون ميادين الفتنة بثبات الجبال، وصدق الأنبياء، وشجاعة المصلحين.
إن حماية المرجعية العلمية لا تكون بمجرد دحض الشبهات والرد على الحملات، وإنما تكون بإقامة بيئة علمية نقية، يحكمها الصدق، وتعلو فيها النزاهة، وتترفع عن الأهواء، حتى يبقى العالم قدوة قبل أن يكون متحدثا، وسلوكا قبل أن يكون خطابا.
إن العلمانية والإلحاد لا يزدهران حيث يسود الصدق، ولا يجدان موطئ قدم حيث يستقيم العدل، ولا يقويان حيث تثبت العقيدة، وإنما ينموان في مستنقعات النفاق، ويتغذيان على التناقض، ويقتاتان من أخطاء المنتسبين إلى الدين أكثر مما يقتاتان من قوة حججهما.
فليتق الله حملة العلم، وليعلموا أنهم ورثة النبوة، وأنهم ليسوا مسؤولين عن أقوالهم وحدها، بل عن كل أثر تتركه أفعالهم في نفوس الناس. فإن كل مداهنة للباطل، وكل انحناءة لأهل النفوذ، وكل كلمة زور، وكل تزييف للحقائق، ليست خطيئة شخصية فحسب، بل ثغرة تنفذ منها جيوش الشبهات إلى حصون الأمة، وسهم يطلق من داخل الصف ليستقر في قلب الإسلام قبل أن يفرح به خصومه.
وليعلم أهل المنابر أن التاريخ لا يخلد أصحاب الأصوات المرتفعة، وإنما يخلد أصحاب المواقف الراسخة. وأن الأمة التي تحفظ علماءها الصادقين، وتصون منابرها من التلون والانتهازية، هي الأمة التي تملك أسباب البقاء، أما إذا تسلل الوهن إلى حملة الرسالة، فلن تحتاج عدوها إلى كثير عناء، لأن الحصون لا تسقط بقوة المهاجم، وإنما تسقط حين يضعف الحارس أو يغفل عن الثغر الذي أقامه الله عليه.
سيدنا ولد السبتي.

القسم
Image
mrtel