هواجس الحوار الوطني: هل نحن أمام أزمة نظام دستوري أم أزمة ممارسة؟

Image
chinguitel
التاريخ 10 October 2026 آخر تحديث 10 October 2026

لم يكن تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية مجرد لحظة سياسية أنهت الوجود الاستعماري وفتحت الباب أمام الاستقلال، بل كان بداية لمشروع تاريخي أكثر تعقيدا، يتطلب بناء دولة وطنية حديثة في مجتمع لم يعرف سلطة مركزية ولا إطارا سياسيا جامعا بالمعنى الذي استقر عليه مفهوم الدولة الحديثة.

وقد أدرك الرئيس المؤسس المختار ولد داداه ورفاقه، رحمهم الله، أن الدولة لا تكتمل سيادتها بالسيادة القانونية وحدها، فعملوا على بناء الإدارة والمؤسسات، وتثبيت الاستقلال السياسي والاقتصادي، وجعل الدولة المرجعية التي تنتظم داخلها المصالح والاختلافات؛ لكن قدر الله وماشاء فعل.

ثم جاء انقلاب العاشر يوليو 1978 ليقطع ذلك المسار، ودخلت البلاد مرحلة استثنائية ظلت فيها علاقة السلطة بالمؤسسات محكومة بمنطق سياسي يضع استقرار الحكم وتماسكه في مقدمة الأولويات؛ على حساب الوطن؛ فجعلوا الدولة رهينة داخل بيئة سياسية تتداخل فيها السلطة والإدارة والموارد والنفوذ الاجتماعي؛ ماتسبب فيما نسمعه بين الفينة والأخرى من ضرورة إعادة التأسيس من جديد للدولة الوطنية.

والحقيقة أن المسألة ليست فشلا في فكرة الدولة الوطنية، ولا أزمة في بنية النظام شبه الرئاسي وعيوبه، ولا حتى أزمة في الهوية الوطنية؛ وإنما هي تنبع أساسا من تمرد السلطة على النصوص المنظمة لممارستها، ومصادرتها لحق الشعب الموريتاني في إدارة شؤونه.
وهكذا، فإنه كلما اقتربت السلطة من الضوابط الدستورية التي تحدد ولايتها، يعاد فتح النقاش حول تعديل الدستور، بدلا من التركيز على احترامه والتمشي مع الضوابط الدستورية والقانونية، وتحقيق المطالب الشعبية.
 

إن تحديد المأموريات الرئاسية اعتمد أصلا لتأمين التداول السلمي على السلطة، ومنع تغولها على الدولة، وليست مجرد آجال زمنية تتم مراجعتها وفق الرغبات. لذا فمحاولة إحياء هذا الجدل، بعد أن استقر الرفض المجتمعي والسياسي له، تثير سؤالا جوهريا: هل الهدف من الإصلاح السياسي تنظيم ممارسة السلطة، أم إعادة ترتيب الشروط لاستمراريتها؟
ويسري نفس الطرح على دعوات التحول إلى نظام برلماني كبديل عن خيار فتح المأموريات الرئاسية.
إن هذه الخيارات غطاء للتهرب من الاستحقاقات المهمة:  قواعد المنافسة الانتخابية، ومراجعة قانون الأحزاب، وحياد الإدارة، واستقلال القضاء، وفعالية البرلمان، وشفافية إدارة الموارد العمومية، وضمان حقوق القوى السياسية المعارضة، وتلبية مطالب الشعب الموريتاني عموما؛ و العجز عن العبور بنا نحو دولة مدنية وديمقراطية، يجد فيها المواطن حقه دون الحاجة إلى شبكة اجتماعية أو سياسية تحمي موقعه، وتكون الانتخابات فيها وسيلة لتغيير السلطة، لا مجرد آلية لإعادة إنتاج موازينها، وتدار فيها الموارد العمومية باعتبارها ملكا عاما تحميه الإرادة الجماعية والقانون.
وعلى الرغم مما تمتلكه بلادنا من موارد كبيرة، وما تتوفر عليه من فرص اقتصادية مهمة، لا تزال قضايا التشغيل والتعليم والصحة والخدمات العمومية والإنتاج الزراعي والصناعي ومحاربة الفساد تؤرق المواطن يوميا؛ ومعالجة هذه الأزمات يتطلب سلطة قادرة على الإنجاز؛ وخاضعة للمساءلة، وإدارة تعمل وفق قواعد شفافة، وسياسات عامة قابلة للتقييم، ؛ وهو ما يمكن أن يتحقق إذا ما كان الهدف من الحوار السياسي المزمع تنظيمه تحقيق الضمانات الكفيلة باستقرار قواعد  المنافسة السياسية وحياد الدولة أمام المتنافسين واحترام  الدستور ومقاصده؛ لا أن يكون مجرد  رغبة من المعارضة لتكييف مطالبها مع إرادة السلطة؛ ولا أن تحقق  السلطة من خلاله  الترتيبات السياسية الأكثر ملاءمة لمشروعها السياسي.

إن هشاشة البنية الاجتماعية، واضطراب المحيط الإقليمي، والدولي واختلال موازين القوة داخل الحياة السياسية، تفرض علينا عدم التضحية باستقرار البلاد عبر مغامرات دستورية غير محسوبة، فإلغاء المأموريات أو الانتقال إلى النظام البرلماني تشكل تهديدا وجوديا لاستقرار البلد؛  فالأزمة  لا تكمن في شكل النظام بقدر ما تكمن في غياب الضمانات التي تحول دون إخضاع الدولة لمصالح النخب ونفوذ المال، فالرهان الوطني ينبغي أن ينصرف إلى إصلاح الممارسة السياسية، وترسيخ دولة المؤسسات، وصون وحدة المجتمع ومكتسبات الجمهورية، وضمان الحقوق والحريات؛ ذلك هو الطريق إلى استقرار يصون الدولة ويخدم المواطنين، لا إلى تغييرات قد تفتح على البلاد أبوابا لا تعرف نهايتها.

Image
mrtel