لا يحتفظ التاريخ -يقينا- بضجيج المهنّئين بقدر ما سيحتفظ بما قدّمه المسؤول المعين للناس من خلال أدائه في الوظيفة. وإن من حقّ كل إنسان أن يفرح بنجاحه، كما له الحق في أن يهنّئ غيره باختياره لتولّي مسؤولية جديدة، فالتعيين -على ما فيه من الابتلاء- قد يكون مناسبةً يُشْرعُ فيها الفرح ويجوز فيها التفاؤل، غير أنّ الإشكال يُثَارُ ويُطرَح بشدة؛ عندما تتجاوز التهنئة حدودها المعقولة، وعندما يَتَحوّلُ التّعْيين من مُناسبة تبعثُ البهجة والارتياح في النفوس؛ إلى عُرسٍ صاخِب تَرْتفِع فيه عبارات التّبْجيل والإشادة كما لو كان التعيين؛ دُخُولُ وخُرُوج من مصنع ينتج الزعماء والقادة، وليس مناسبة -فقط- للتمنّي بالتوفيق في أداء المسؤوليات الجديدة.
عادة؛ ليس المنصب -مهما علا شأنه- غايةً في حد ذاته، ولا هو شهادة بالكفاءة تسلم للمعين، وبالأحرى فليس صكًّا يضمن الخلود، وإنما هو تكليف يخبر عند الابتداء بأن له انتهاء، وتحكمه -فيما بجب أن يكوا- الاعتبارات المصلحية والتوازنات المؤسسية، كما تحكمه متطلبات الكفاءة اللازمة لأداء خدمة عمومية.
إن أغرب الغريب مبالغة الناس -عندنا- في الاحتفاء بتعيين المسؤول، والتسابق إلى إظهار القرب منه، وأخذ الصور معه -للاشهار بها- وكأنّ تعيين المهنَّإ فتح مبين، غير أنه -وللأسف- لن يلبث المشهد ساعة من نهار قبل أن ينقلب رأسًا على عقب؛ عند مغادر هذا المعين للمنصب الذي كان يهنأ به الآن، بل ربما أنقلب الأمر إلى هجره وانتقاد بما لم يقترف.
ولأن المناصب زائلة والمواقف تبقى؛ يصبح من اللازم أن تقدر التهنئة بقدر الاستحقاق، وأن يكون التقدير بقدر الإنجاز، وكما لأن المشهد الآن؛ يستدعيك للعجب وللتساؤل: عن كيف كانت وكيف ستكون مكانة هذا الإنسان من دون المسؤولية؛ تصبح إعادة النظر واجبة.