ليست قوة الدول بما تمتلكه من موارد فحسب، ولا بما تشيده من مؤسسات، وإنما بما تؤسسه من عدالة، وما ترسخه من ثقة بين مواطنيها، وما تعتمده من معايير منصفة في إسناد المسؤوليات إلى أهلها. فالدولة التي تحسن إدارة تنوعها، وتوفق بين الاعتزاز بهويتها الوطنية والاستثمار في كفاءات أبنائها، تكون أقدر على تحقيق الاستقرار، وأمضى في مسيرتها نحو التنمية.
ومن بين القضايا التي تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا في مجتمعاتنا، العلاقة بين اللغة والكفاءة في تولي المناصب العامة؛ وهي قضية لا ينبغي أن تُختزل في سجال عاطفي، أو أن تتحول إلى معيار للمفاضلة بين المواطنين، بل ينبغي أن تُناقش في إطار رؤية وطنية تجعل المصلحة العامة، واحترام الدستور، وتكافؤ الفرص، وحسن أداء المرفق العمومي، ركائز أساسية لبناء الدولة.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي وعاء للهوية، وجسر للتواصل، وأداة لحفظ الذاكرة الثقافية ونقل المعرفة. ومن الطبيعي أن تحظى اللغة الرسمية للدولة بمكانتها المستحقة في الإدارة والتعليم والحياة العامة، وأن تعمل المؤسسات على تعزيز حضورها وتمكين المواطنين من استخدامها وفهمها. كما أن احترام اللغات الوطنية الأخرى، وصون مكانتها الثقافية والاجتماعية، يمثلان رافدًا من روافد الوحدة الوطنية، لا نقيضًا لها.
وفي الحالة الموريتانية، حيث تتعدد الروافد اللغوية والثقافية ضمن انتماء وطني جامع، تزداد الحاجة إلى مقاربة متوازنة تدرك أن التنوع ليس عبئًا ينبغي التخلص منه، ولا امتيازًا يمنح لفئة دون أخرى، بل حقيقة وطنية يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة متى أُحسن تدبيرها في إطار الدستور والقانون والمواطنة المتساوية.
غير أن الاعتزاز باللغة، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ما المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار المسؤولين؟
إن المسؤولية العامة ليست تشريفًا مجردًا، ولا مكافأة اجتماعية، ولا مجالًا للمجاملة أو المحاباة؛ إنها تكليف تترتب عليه حقوق للمواطنين وواجبات تجاه الدولة. ومن ثم، فإن إسنادها ينبغي أن يقوم على جملة من المعايير المتكاملة، في مقدمتها الكفاءة العلمية والمهنية، والنزاهة، والخبرة، والقدرة على اتخاذ القرار، وحسن التدبير، والاستعداد لخدمة الصالح العام.
وتأتي الكفاية اللغوية ضمن هذه المعايير بحسب طبيعة المنصب ومتطلباته الفعلية. فالمسؤول الذي تتطلب مهامه تحرير المراسلات الرسمية، أو إعداد الوثائق الإدارية، أو التواصل مع المواطنين، يحتاج إلى مستوى لغوي يمكّنه من أداء واجباته على الوجه المطلوب. لكن تقدير هذا الاحتياج ينبغي أن يكون موضوعيًا ومتناسبًا مع طبيعة الوظيفة، لا وسيلة لإقصاء الكفاءات أو فتح أبواب التأويل والتمييز.
فاللغة المطلوبة لأداء الوظيفة معيار مهني مشروع، أما اتخاذها ذريعة للحكم على قيمة الأشخاص أو أهليتهم الوطنية فخلل في فهم المسؤولية العامة.
ولا يستقيم، في المقابل، أن تُطرح الكفاءة باعتبارها مبررًا لتهميش اللغة الرسمية أو الانتقاص من مكانتها الدستورية. فبناء إدارة فعالة يقتضي الجمع بين احترام الإطار اللغوي والقانوني للدولة، وضمان امتلاك المسؤولين المهارات اللازمة للقيام بمهامهم. وحين تظهر فجوة بين الكفاءة الفنية والقدرة اللغوية المطلوبة، فإن الحل الرشيد قد يكون في التدريب والتأهيل وتطوير القدرات، متى كان ذلك ممكنًا ومتوافقًا مع شروط الوظيفة، بدلًا من التسرع في الإقصاء أو تحويل الاختلاف إلى خصومة.
إن الدولة الحكيمة لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان المرشح يتقن لغة بعينها، بل تسأل أيضًا: هل يمتلك المعرفة اللازمة؟ هل أثبت كفاءته في الميدان؟ هل يتمتع بالنزاهة والاستقامة؟ هل يستطيع إدارة فريقه، وترشيد الموارد، وتحمل المسؤولية، وتحقيق النتائج؟ وهل يستوفي الشروط القانونية والمهنية للمنصب؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية اللغة، وإنما تضعها في موضعها الصحيح ضمن منظومة متكاملة من المؤهلات.
ومن مقتضيات العدالة كذلك أن تكون معايير التعيين والترقية واضحة، ومعلنة، وقابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء. فالغموض في شروط الاختيار يفتح المجال للشكوك، ويضعف الثقة في المؤسسات، بينما تعزز الشفافية شعور المواطنين بأن الفرص تُتاح على أساس الاستحقاق، وأن المناصب العامة ليست حكرًا على فئة أو جماعة أو دائرة اجتماعية بعينها.
كما أن تكافؤ الفرص لا يعني تجاهل الفوارق في الخبرة والتأهيل، ولا يقتضي المساواة بين من استوفى شروط المنصب ومن لم يستوفها؛ بل يعني أن يخضع الجميع لمعايير عادلة واحدة، وأن تُتاح لهم فرص حقيقية لاكتساب المؤهلات المطلوبة، وأن يكون القرار النهائي مستندًا إلى أسباب مهنية وقانونية واضحة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الاستثمار في تعليم اللغات الوطنية وتطوير الكفاءات الإدارية باعتباره خيارًا متعارضًا مع متطلبات التنمية. بل إن الجمع بين الأمرين يتيح للدولة توسيع قاعدة المؤهلين للمسؤولية، وتحسين التواصل مع المواطنين، وتعزيز الاندماج الوطني، ورفع جودة الخدمات العمومية.
فالموظف الكفء الذي يُمنح فرصة عادلة للتأهيل والتطور يصبح إضافة للمؤسسة، والمسؤول الذي يجمع بين المعرفة والنزاهة وحسن التواصل يكون أقدر على كسب ثقة المواطنين، والإدارة التي تحسن اكتشاف طاقات أبنائها واستثمارها تقل حاجتها إلى الارتجال، وتزداد قدرتها على الاستجابة للتحديات.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في اختلاف وجهات النظر حول اللغة أو معايير التعيين، فذلك أمر طبيعي في المجتمعات الحية، وإنما يكمن في تحويل هذه الاختلافات إلى أحكام مسبقة، أو توظيفها لتغذية الانقسام، أو التشكيك في وطنية الآخرين وحقوقهم. فالأوطان لا تُبنى بتبادل الاتهامات، ولا تتقدم بإقصاء جزء من طاقاتها، وإنما تتقدم حين يشعر كل مواطن بأن كرامته مصونة، وأن هويته محترمة، وأن فرصته في خدمة بلده مرتبطة بما يقدمه من كفاءة وعطاء، في حدود الدستور والقانون.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات والنخب الفكرية والسياسية والإدارية في الارتقاء بهذا النقاش، وتحريره من الاستقطاب، وتوجيهه نحو حلول عملية: تطوير التعليم اللغوي، وتعزيز التكوين المستمر، وتحديد الكفايات المطلوبة لكل وظيفة، وترسيخ النزاهة في التعيين والترقية، وإخضاع القرارات الإدارية لمعايير واضحة تضمن المشروعية والإنصاف.
فليس المطلوب أن نختار بين اللغة والكفاءة، ولا بين الهوية والوحدة الوطنية؛ المطلوب أن نبني منظومة مؤسسية تحترم اللغة، وتثمّن الكفاءة، وتصون الحقوق، وتمنح المسؤولية لمن يستحقها.
وفي المحصلة، فإن الدولة القوية ليست تلك التي تتجاهل خصوصيات مجتمعها، ولا تلك التي تجعل منها حدودًا تفصل بين مواطنيها، بل هي التي تحول تنوعها إلى طاقة مشتركة، وتستند في قراراتها إلى العدل والاستحقاق، وتجعل خدمة الوطن غاية تتقدم على المصالح الضيقة.
فحين تكون اللغة جسرًا للتواصل، والكفاءة أساسًا للاختيار، والعدالة ضابطًا للقرار، يصبح التنوع مصدر إثراء، وتغدو المواطنة رابطة جامعة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى فضاء تتكامل فيه الطاقات بدل أن تتصارع.
ذلك هو الرهان الحقيقي: أن نختلف في الرأي دون أن نتفرق في الانتماء، وأن نعتز بلغاتنا دون أن ننتقص من بعضنا، وأن نحتكم إلى الكفاءة دون أن نتخلى عن الإنصاف؛ لأن بناء الدولة العادلة لا يبدأ بإقصاء أحد، بل بإقامة ميزان منصف تتساوى أمامه الحقوق، وتُصان فيه الكرامة، وتُسند فيه المسؤوليات إلى أهلها.
أمحمدى ولد الحسن
إطار في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك