ليست نظافة المدن مجرد مسألة تتعلق بشاحنات جمع القمامة، أو بعدد الحاويات، أو بقدرة البلديات على التعاقد مع شركات النظافة؛ إنها، قبل ذلك، انعكاس لطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، ومؤشر على مقدار الثقة التي يشعر بها المواطن تجاه المؤسسات التي يفترض أنها تمثله وتحمي حقوقه.
فالمواطن الذي يشعر بأن الدولة تقف على المسافة نفسها من جميع أبنائها، وأن القانون يحميه كما يحمي خصمه، وأن حقه لا يصغر أمام نفوذ غيره، وأن كرامته لا تتوقف عند حدود ثروته أو مكانته الاجتماعية، هو مواطن يشعر بأن الدولة دولته، وأن مدينته جزء من بيته الكبير، وأن الحفاظ على نظافتها وصيانة مرافقها وفضاءاتها العامة مسؤولية تخصه قبل أن تكون واجبا على السلطات.
أما حين تتسع المسافة بين المواطن والدولة، وحين يرى أن العدالة تتغير بحسب هوية الخصم ومقدار نفوذه، وأن الحق العام مستباح، وأن المال العام والعقار العام يتحولان إلى مجال مفتوح للمصالح الخاصة، فإن شعوره بالانتماء يتعرض للتآكل، وتصبح علاقته بالفضاء العام علاقة فاترة، لا تحكمها روح المسؤولية بقدر ما تحكمها غريزة حماية المصالح الخاصة.
وليس المقصود بذلك تبرير تلويث الشوارع أو الاعتداء على الممتلكات العامة؛ فالنظافة سلوك حضاري ومسؤولية أخلاقية لا تسقط عن المواطن مهما كانت اختلالات الدولة. لكن من الخطأ أيضا أن نطالب المواطن بسلوك مواطنة مثالية، بينما نغض الطرف عن الممارسات التي تهدم المعنى الحقيقي للمواطنة في نظره.
كيف نطلب من مواطن أن يحترم العقار العام، وهو يرى التعدي عليه يحدث أمام عينيه؟ وكيف نقنعه بأن القانون يحمي الملكية، وهو يسمع عن قطع أرضية تباع للمواطنين أكثر من مرة، بوثائق إدارية تبدو جميعها صحيحة، وصادرة عن الجهة الإدارية نفسها، وربما عن الشخص نفسه الذي ظل يمارس صلاحياته منذ سنوات طويلة، في ظل حماية نافذين لا تطالهم المساءلة؟
وكيف نطالبه بالثقة في المؤسسات، وهو يرى أن بعض الحقوق تنتزع باسم القانون، وأن بعض القوانين تستحضر بحزم أمام الضعفاء، وتصبح قابلة للتأويل والتأجيل حين يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط ضياع الأموال أو الأراضي، وإنما ما تتركه في الوجدان الجماعي من شعور بالغبن، وما تزرعه من قناعة مؤلمة بأن الوطن ليس فضاء متساويا للجميع؛ بل يبدو أحيانا وكأنه وطن للأغنياء الذين تتسع أمامهم فرص الانتفاع من خيراته، ومواطنة للفقراء الذين تتثاقل على كواهلهم أعباء المعيشة والديون والالتزامات، ولا يصلهم من الدولة إلا اسمها، وبعض واجباتها المالية.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مفارقة مؤلمة: لا يمكن بناء مدينة نظيفة في ظل مؤسسات يتساهل بعضها مع تلويث العدالة، ولا يمكن ترسيخ احترام الملكية الخاصة والعامة إذا كان الاعتداء على العقار العام يمر دون مساءلة، ولا يمكن مطالبة المواطن بصيانة الممتلكات العامة بينما يرى أن بعض الذين يفترض أنهم مؤتمنون عليها يتعاملون معها باعتبارها غنيمة أو فرصة للاستثمار الشخصي.
إن الدولة التي تريد مدنا نظيفة لا يكفيها أن تستقدم مؤسسات جمع القمامة، وأن تضع الحاويات في الشوارع، وأن تطلق حملات موسمية للتنظيف؛ عليها أولا أن تنظف علاقتها بمواطنيها، وأن تعيد الاعتبار للقانون، وأن تجعل العدالة ميزانا واحدا لا يتغير باختلاف الأسماء والمواقع والنفوذ.
نحتاج إلى تنظيف الإدارة من المحسوبية، وتنظيف المعاملات من التلاعب، وتنظيف المجال العام من الاستحواذ، وتنظيف مؤسساتنا من ثقافة الإفلات من العقاب. نحتاج إلى أن نرى المعتدي على المال العام أو العقار العام أمام المساءلة، أيا كان موقعه، وأن نطمئن إلى أن حق المواطن لن يضيع لمجرد أن خصمه أقوى منه.
يا من تتولون مسؤولية الدولة وإدارة شؤونها، نظّفوا الوطن بالعدالة قبل أن تطالبوا المواطنين بتنظيف شوارعه. أعطوا كل ذي حق حقه، واحموا المال العام والعقار العام، وأعيدوا للمواطن ثقته بأن هذه الدولة تقف إلى جانبه، لا إلى جانب من يستطيع أن ينتزع حقه.
فالنظافة الحقيقية ليست أن تختفي الأوساخ من أمام أعيننا، بل ألا تتراكم المظالم في صدور الناس. وليست المدينة النظيفة وحدها هي التي تخلو شوارعها من النفايات، بل تلك التي يشعر سكانها أن حقوقهم مصونة، وأن القانون فوق الجميع، وأن الفضاء العام ملك لهم جميعا، وليس غنيمة لمن يملك النفوذ.
ولعل البداية الحقيقية لأي مشروع وطني للنظافة لا تكون من الشوارع وحدها، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة؛ فحين يشعر المواطن أن هذا الوطن يحميه، سيحرص على حمايته، وحين يشعر أن مدينته مدينته حقا، لن يتعامل مع شوارعها وكأنها شوارع الآخرين.
اللهم لا تجعل أوساخ مدننا تصل إلى قلوبنا، ولا تسمح أن تتحول كثرة المظالم إلى اعتياد عليها، أو أن يصبح الفساد في أعيننا أمرا مألوفا لا يثير فينا غضبا ولا يدفعنا إلى الإصلاح.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ صدق الله العظيم.
مع تحياتي