أثارت نتائج الباكالوريا لسنة 2026 نقاشاً واسعاً، خاصة بعد انخفاض نسبة النجاح إلى حوالي 13%. وقد انقسمت الآراء بين من يرى أن هذه النسبة تعكس أزمة حقيقية، ومن يعتبرها دليلاً على الحفاظ على قيمة شهادة الباكالوريا.
في الحقيقة، ليس الهدف أن تكون نسبة النجاح مرتفعة أو منخفضة، وإنما أن ينجح من يستحق النجاح ويملك المستوى العلمي الذي يؤهله للالتحاق بالتعليم العالي. فتضخيم نسب النجاح دون مراعاة الكفاءة لا يخدم الطالب ولا الجامعة ولا الوطن، بل ينعكس سلباً على جودة التكوين الجامعي وسوق العمل.
ومن جهة أخرى، فإن انخفاض نسبة النجاح لا ينبغي أن يكون سبباً للإحراج عند مقارنتها بالدول الأخرى، لأن هذه النتيجة ليست وليدة سنة واحدة، وإنما هي حصيلة تراكمات امتدت لسنوات طويلة. فمن غير المنطقي أن يصل طالب إلى الباكالوريا بعد أحد عشر أو اثني عشر عاماً من الدراسة وهو يعاني من ضعف كبير في القراءة أو الكتابة أو الرياضيات، ثم ننتظر أن ينجح في امتحان وطني حاسم.
ومن أبرز أسباب هذه التراكمات اعتماد مبدأ الانتقال من سنة إلى أخرى بشكل شبه آلي، حتى أصبح الرسوب استثناءً مهما كان مستوى التلميذ. وهكذا تتراكم مواطن الضعف عاماً بعد عام، لتظهر بوضوح عند امتحان الباكالوريا، الذي لا يفعل سوى كشف المستوى الحقيقي للطالب.
كما أن الأسرة تتحمل جزءاً من المسؤولية. فمتابعة الأبناء لا تقتصر على توفير مستلزمات الدراسة، بل تشمل مراقبة المواظبة، والنتائج، والسلوك الدراسي، والتواصل المستمر مع المؤسسة التعليمية. وعندما يغيب هذا الدور، يصعب تدارك التأخر العلمي في السنوات الأخيرة من التعليم الثانوي.
ولا يمكن إغفال جانب آخر، وهو محدودية قدرة مؤسسات التعليم العالي الوطنية على استيعاب أعداد كبيرة من الناجحين مع الحفاظ على جودة التكوين. فالتوسع في النجاح يجب أن يوازيه توسع في الجامعات، والمختبرات، والمستشفيات الجامعية، وأعداد الأساتذة والإمكانات البيداغوجية، الشيء الذي تعمل وزارة التعليم العالي والبحث العالمي جاهدة من أجله لأنه بدون ذلك فإن المشكلة ستنتقل من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من الباكالوريا، بل يبدأ من السنوات الأولى للتعليم الأساسي، مروراً بالتقويم المستمر، وتحسين تكوين المعلمين و هو ما يتناغم مع رؤية رئيس الجمهورية والتي تمثل المدرسة الجمهورية صورة من تجليات رؤيته لهذا المشكله. فالباكالوريا ليست سبب الأزمة، وإنما هي المرآة التي تعكس حصيلة اثنتي عشرة سنة من التعلم.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في نسبة النجاح، بل في كيفية ضمان أن يصل كل تلميذ إلى الباكالوريا وهو يمتلك المعارف والمهارات التي تجعله يستحق النجاح، ويكون قادراً على مواصلة دراسته الجامعية بكفاءة واقتدار.
مبارك للذين قد حالفهم الحظ ونجحوا في الباكالوريا وحظ أوفر لمن لم يحالفهم