*الخرجة الإعلامية الرئاسية... عندما تتحدث الثقة بلغة الدولة*

Image
chinguitel
التاريخ 25 July 2026 آخر تحديث 25 July 2026

في الأنظمة السياسية، لا تُقاس قوة القيادة بما تُلقيه من خطابات معدة سلفًا، وإنما بقدرتها على الوقوف أمام الأسئلة المباشرة، والاقتراب من الملفات الأكثر حساسية دون ارتباك أو انفعال. ومن هذه الزاوية، فإن المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لم يكن مجرد لقاء مع وسائل الإعلام، بل كان ممارسة سياسية راقية، حملت رسائل أعمق من مضامين الأجوبة نفسها.
لقد اختار فخامة الرئيس أن يسبق الحوار بعرض سياسي مكثف، لا لاستعراض الإنجازات فحسب، وإنما لوضعها في سياق رؤية متكاملة للدولة، باعتبارها مسارًا للإصلاح والتأسيس، لا مجرد حصيلة أرقام أو مشاريع متفرقة. فالرؤية السياسية الواضحة هي التي تمنح الإنجاز معناه، وتجعله جزءًا من مشروع وطني متماسك.
غير أن القيمة الحقيقية للخرجة الإعلامية تجلت في أسلوب إدارة الحوار. فحين طُرحت أسئلة اتسم بعضها بالجرأة والإحراج، بدا الرئيس متحررًا من هاجس المواجهة، فلم يلجأ إلى لغة التوتر، ولم يستدعِ خطاب التخوين أو التقريع، بل جعل من الهدوء أداة للإقناع، ومن سعة الصدر عنوانًا للثقة بالنفس. وهذه ليست مجرد خصلة شخصية، بل ثقافة في الحكم، تؤمن بأن الدولة الواثقة لا تخشى السؤال، ولا ترى في النقد خصومة تستوجب الانفعال.
كما أن تناول الملفات الأكثر حساسية، من قضية المأموريات إلى محاربة الفساد، مرورًا بملف الرئيس السابق، كشف عن حرص واضح على ترسيخ منطق الدولة والمؤسسات. فقد جاءت الإجابات أقرب إلى تأكيد المبادئ منها إلى تسجيل المواقف الآنية؛ احترام للدستور، وإسناد للقضاء فيما يدخل في اختصاصه، وإصرار على أن مكافحة الفساد خيار مؤسسي لا يرتبط بالأشخاص ولا تحكمه الحسابات السياسية الضيقة.
وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات المؤتمر؛ إذ بدا رئيس الجمهورية حريصًا على أن يكون الخطاب الرئاسي عاملًا للاستقرار، لا وقودًا للاستقطاب، وأن يبعث برسالة مفادها أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الدولة، وأن إدارة الشأن العام لا تُبنى على الانفعال، وإنما على الحكمة والتوازن.
لقد أكد هذا الظهور الإعلامي أن الثقة الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت، وأن قوة الحجة تغني عن حدة العبارة، وأن القائد الذي يمتلك وضوح الرؤية لا يجد حرجًا في مواجهة الأسئلة، مهما بلغت حساسيتها. ومن هنا، فإن المؤتمر لم يكن مناسبة إعلامية عابرة، بل كان درسًا في التواصل السياسي الهادئ، ورسالة بأن الدولة المطمئنة إلى شرعيتها وإنجازها هي الأقدر على الحوار، والأكثر استعدادًا للإصغاء، والأبعد عن الانفعال مهما اشتدت حرارة الأسئلة.
     *أبى بن معاذ"

Image
mrtel