د. محمد الأمين شريف أحمد. يكتب /؟ نحو عقار ٱمن بلا نزاع

Image
chinguitel
التاريخ 14 August 2026 آخر تحديث 14 August 2026

مقترح وطني لإصلاح المنظومة العقارية في موريتانيا
الأرض ليست مجرد مساحة على الخريطة، ولا مجرد رقم في وثيقة إدارية. الأرض حق، وملكية، واستقرار، واستثمار، ومستقبل.
ولهذا فإن مشكلة العقار في موريتانيا لا ينبغي أن تختزل في تعقيد الإجراءات أو بطء المعاملات، لأن جوهر المشكلة أعمق من ذلك: كيف نضمن للمواطن أن الأرض التي يملكها هي فعلًا أرضه؟ وكيف نحدد حدودها بصورة لا تقبل الالتباس؟ وكيف نمنع أن تتحول القطعة نفسها إلى موضوع لوثائق متعارضة أو ملكيات متنازعة؟ وكيف نجعل المستثمر والدولة والقضاء والإدارة ينطلقون جميعًا من المعلومة العقارية نفسها؟
هذه الأسئلة تجعل الأمن العقاري واحدًا من أهم شروط الاستقرار والتنمية، وتجعل إصلاح المنظومة العقارية مشروعًا يتجاوز الإدارة إلى حماية الحقوق وترسيخ دولة القانون.
فخلال السنوات الأخيرة بدأت الدولة في بناء عدد من اللبنات الأساسية لإدارة عقارية حديثة: رقمنة الخدمات، والتحقق الإلكتروني من الوثائق، ورقمنة الأرشيف، وتطوير إجراءات التسجيل والتحفيظ، والعمل على المسح والخرائط ونظم المعلومات الجغرافية، إلى جانب إحصاء ورقمنة ممتلكات الدولة.
وفي يناير 2026، أعلنت وزارة العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري إطلاق إصلاحات للمحافظة العقارية تستهدف تعزيز الشفافية والأمن القانوني للحقوق العقارية، كما كشفت عن مشاريع تقنية مهمة، من بينها «عقار AQAAR» باعتباره قاعدة بيانات عقارية وطنية موحدة تمنح كل قطعة أرض تعريفًا فريدًا، و«المحافظ EL MOUHAFID» لتحديث الإشهار العقاري، مع توسيع منصة «لعكود» وربطها بمنصة «خدماتي».
وفي الاتجاه نفسه، تعمل الوزارة على تعميم خدمات نظام «LEEGOU» تدريجيًا في المقاطعات الـ54 في أفق 2027، بما يعني أن الإصلاح لم يعد مجرد فكرة نظرية، وإنما دخل مرحلة بناء أدوات عملية لتقريب الإدارة العقارية من المواطن.
ثم جاءت خطوة أكثر أهمية في مايو 2026، بإطلاق عملية إحصاء عقاري للقطع الأرضية المبنية في مدينة نواكشوط تحت شعار «نحو عقار مؤمن وحكامة عصرية»، بهدف إنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة وشاملة تربط الملكية العقارية بوضعيتها القانونية الحقيقية.
وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة.
فموريتانيا تمتلك اليوم أجزاء مهمة من الحل، لكنها تحتاج إلى جمع هذه الأجزاء داخل منظومة واحدة تجعل حماية الملكية وإنهاء النزاعات هدفها النهائي.

من إدارة الوثائق إلى حماية الملكية
لقد كان العقار، لفترة طويلة، يُدار أساسًا من خلال الوثيقة: سند، عقد، مخطط، محضر، أو ملف محفوظ في الإدارة.
أما الإدارة العقارية الحديثة، فلا تكتفي بالسؤال: أين الوثيقة؟
بل تسأل:
أين الأرض؟ من يملكها؟ ما حدودها؟ ما وضعيتها القانونية؟ هل عليها رهن؟ هل توجد بشأنها منازعة؟ وما تاريخ انتقال ملكيتها؟
وهذا هو التحول الذي ينبغي أن تصل إليه موريتانيا.
فلكل قطعة أرض يجب أن تكون هناك هوية عقارية واحدة، ترتبط بها الخريطة والإحداثيات والمالك والسند وتاريخ الملكية والوضعية القانونية والرهون والنزاعات والمعاملات.
وعندها يصبح من الممكن الانتقال من إدارة الوثائق العقارية إلى إدارة الملكية العقارية.
وهذا هو جوهر فكرة «النظام الوطني الموحد للملكية العقارية».
والمقصود هنا ليس بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة أو جهاز إداري ضخم، وإنما ربط الأنظمة والمنصات والبيانات الموجودة، بحيث تتحدث جميعها لغة عقارية واحدة، وتنتج في النهاية معلومة واحدة موثوقة يمكن للإدارة والمواطن والقضاء والمستثمر الرجوع إليها.

لماذا أصبح هذا الإصلاح ضرورة؟
لأن استمرار تعدد مصادر المعلومة العقارية يفتح الباب أمام النزاع.
وقد أظهرت تقييمات حديثة للقطاع أن موريتانيا ما تزال تواجه تحديات تتعلق برقمنة الإدارة العقارية، وضعف التغطية الجغرافية، ومحدودية شفافية المعلومات، وتداخل الممارسات العرفية مع الإجراءات الحديثة، وهي عوامل يمكن أن تنتج ازدواجية في الملكيات وعدم يقين ونزاعات طويلة.
كما أن السلطات نفسها شخصت عددًا من الاختلالات، من بينها مشاكل الاقتطاعات الريفية، والمنح المزدوج، وطلبات التعويض، ومشاكل المخططات ورفع التشفير، وهي ملفات تؤكد أن القضية ليست تقنية فقط، وإنما تتعلق أيضًا بتصفية إرث عقاري متراكم.

ومن هنا، فإن الرقمنة وحدها لا تكفي.
قد نرقمن مليون وثيقة، لكن إذا بقيت الوثائق المتعارضة متعارضة، والحدود غير واضحة، والملكية غير محسومة، فإننا نكون قد نقلنا المشكلة من الورق إلى الحاسوب فقط.
المطلوب هو رقمنة الحقيقة العقارية، لا رقمنة الوثيقة وحدها.

ست خطوات نحو أرض آمنة
أولًا: استكمال الرقمنة وتحويلها إلى بيانات مترابطة
المرحلة القادمة ينبغي ألا تكتفي بتحويل الوثائق الورقية إلى ملفات إلكترونية، بل يجب تحويلها إلى بيانات قابلة للبحث والمقارنة والتحديث والربط.
وهذا ما يجعل مشاريع مثل «عقار» مهمة، لأنها تفتح الطريق نحو قاعدة بيانات وطنية ذات تعريف موحد للقطع الأرضية.
ثانيًا: ربط كل وثيقة بموقعها الجغرافي
لا ينبغي أن تبقى الوثيقة العقارية منفصلة عن الأرض التي تتحدث عنها.
كل سند يجب أن يرتبط بقطعة محددة على الخريطة، وبإحداثيات واضحة وحدود قابلة للتحقق.
فالوثيقة تقول من يملك، والخريطة تقول ماذا يملك وأين يملك.
وعندما تجتمع الوثيقة والخريطة، تقل مساحة الالتباس، ويصبح اكتشاف التعارضات أسرع وأكثر دقة.
ثالثًا: اعتماد رقم عقاري وطني موحد
ينبغي أن يكون لكل قطعة أرض معرف عقاري واحد وثابت، لا يتغير بتغير المالك.
وهذه الفكرة موجودة بالفعل في مشروع «عقار»، الذي يستهدف منح كل قطعة أرضية تعريفًا فريدًا.
والخطوة الأهم هي أن يصبح هذا الرقم هو المفتاح الذي ترتبط به جميع المعلومات: الملكية، الخريطة، السندات، الرهون، التحويلات، النزاعات، والمعاملات.
رابعًا: إطلاق برنامج وطني لتصفية الإرث العقاري
هذه ربما تكون أصعب حلقات الإصلاح وأهمها.
فالمنظومة الجديدة لن تكون مكتملة إذا ظلت الملفات القديمة، والوثائق المتعارضة، والملكيات غير المحسومة، والنزاعات المتراكمة خارجها.
لذلك أقترح برنامجًا وطنيًا محدد المدة لتصفية الإرث العقاري، يبدأ بالأحياء والمناطق الأكثر كثافة في النزاعات، ويمنح الأولوية للملفات القابلة للتسوية الإدارية والمصالحة.
فالهدف ليس فقط منع النزاع الجديد، وإنما إغلاق مصادر النزاع القديم.
خامسًا: إنشاء مسار سريع للمصالحة العقارية
ليس كل نزاع عقاري يحتاج إلى أن ينتهي في المحكمة.
هناك ملفات يمكن حلها من خلال التحقق من الوثائق، ومطابقة الخرائط، والاستماع إلى الأطراف، والاستعانة بالمسح الفني، ثم الوصول إلى تسوية قانونية موثقة.
لذلك يمكن إنشاء مسار للمصالحة العقارية داخل المنظومة، يعمل قبل إحالة الملفات القابلة للتسوية إلى القضاء، مع ضمان حق التقاضي لمن يتعذر حل نزاعه بالطرق التوافقية.
وهذا من شأنه أن يخفف الضغط على القضاء، ويختصر الزمن والتكلفة، ويمنع تحول الخلافات العقارية البسيطة إلى نزاعات طويلة.
سادسًا: تحويل الإصلاح إلى مشروع قابل للقياس
الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المؤتمرات أو المنصات أو التطبيقات التي يتم إطلاقها.
بل يقاس بالنتيجة التي يشعر بها المواطن.
لذلك ينبغي نشر مؤشرات سنوية واضحة، من بينها:
•    عدد القطع التي تم مسحها وتحديدها.
•    عدد الوثائق التي تمت رقمنتها وربطها بالقطع.
•    عدد القطع التي حصلت على معرف عقاري موحد.
•    عدد النزاعات التي تمت تسويتها.
•    عدد المعاملات التي أصبحت رقمية.
•    متوسط الزمن اللازم لإنجاز الخدمة العقارية.
•    عدد حالات الازدواج أو التعارض التي تم اكتشافها ومعالجتها.
•    نسبة التغطية الجغرافية للبيانات العقارية.
فالإصلاح الذي لا يمكن قياس نتائجه يصعب الحكم على نجاحه.

من نواكشوط إلى منظومة وطنية
ويجب ألا يتوقف الإصلاح عند العاصمة.
فالإحصاء العقاري الذي أطلق في نواكشوط في مايو 2026 يمكن أن يشكل نموذجًا للتوسع التدريجي نحو مدن الداخل، ضمن تصور معلن لتوسيع عملية الإحصاء وبناء خريطة عقارية أكثر شمولًا. كما أن خطط القطاع تتجه إلى بناء قاعدة بيانات وطنية تغطي الملكيات العامة والخاصة، مع توسيع عمليات الإحصاء خلال السنوات المقبلة.
وهذا مهم لأن الأمن العقاري لا ينبغي أن يكون امتيازًا للعاصمة.
فالأرض في نواكشوط تحتاج إلى الحماية، كما تحتاج إليها الأرض في كيفه وروصو والزويرات وانواذيبو وجميع مدن ومقاطعات البلاد.
ومن هنا فإن الهدف النهائي يجب أن يكون إنشاء خريطة عقارية وطنية موحدة ومحدثة، تصبح مرجعًا للدولة والمواطن والمستثمر والقضاء.

الإصلاح العقاري ليس ملفًا إداريًا فقط
حين تصبح ملكية الأرض واضحة، فإن آثار الإصلاح تتجاوز العقار نفسه.
فالمواطن يحصل على حماية أكبر لملكيته.
والمستثمر يحصل على قدر أكبر من اليقين.
والبنوك تستطيع التعامل مع الضمانات العقارية بثقة أكبر.
والمدن تصبح أكثر قابلية للتخطيط والتنظيم.
والدولة تصبح أقدر على معرفة ممتلكاتها وحمايتها.
والقضاء يحصل على معلومة عقارية أكثر دقة.
والإدارة تقلل من مساحة الاجتهاد والتضارب والتدخل البشري.
ولهذا فإن الأمن العقاري هو في الوقت نفسه أمن قانوني، وأمن اقتصادي، وأمن اجتماعي.
ومن المهم في هذا السياق أن الحكومة اتخذت في سبتمبر 2025 خطوة قانونية ألزمت بإيداع ومعالجة العمليات والمعاملات العقارية رقميًا، كما يجري العمل على قاعدة بيانات تشمل ممتلكات الدولة والملكيات الخاصة.
إنها خطوات ينبغي البناء عليها وربطها ضمن رؤية واحدة.

السؤال الذي يجب أن ينجح الإصلاح في الإجابة عنه
بعد كل هذه الإصلاحات، يجب ألا يكون معيار النجاح هو عدد المنصات التي أطلقت أو عدد الوثائق التي تمت رقمنتها.
المعيار الحقيقي أبسط من ذلك بكثير.
عندما يذهب المواطن إلى الإدارة ويسأل:
من يملك هذه الأرض؟
يجب أن تكون هناك إجابة.
وعندما يسأل:
أين حدودها؟
يجب أن تكون هناك خريطة.
وعندما يسأل:
هل ملكيتي آمنة وقابلة للإثبات؟
يجب أن تكون هناك إجابة قانونية واضحة.
وعندما يسأل المستثمر:
هل أستطيع أن أستثمر دون أن أفاجأ غدًا بنزاع على الأرض؟
يجب أن تمنحه المنظومة العقارية درجة عالية من اليقين.
هنا فقط يصبح الإصلاح العقاري إصلاحًا حقيقيًا.

من رقمنة العقار إلى تأمين الأرض
المطلوب ليس مشروعًا جديدًا يبدأ من الصفر، وإنما مشروع يجمع ما بدأ، ويصحح ما تعثر، ويربط ما تفرق، ويصفي ما تراكم، ويمنع إنتاج النزاعات من جديد.
إنها فرصة للانتقال من إدارة العقار إلى حماية الأرض؛ ومن حفظ الوثائق إلى تأمين الملكية؛ ومن معالجة النزاع بعد وقوعه إلى منعه قبل أن يبدأ.
وفي النهاية، فإن نجاح هذا المشروع يمكن اختصاره في صورة واحدة:
أرض محددة على الخريطة، مالك معروف، سند موثوق، حدود واضحة، ومعلومة عقارية واحدة لا تتناقض مع نفسها.

د. محمد الأمين شريف أحمد.

Image
mrtel