كيف السبيل للانتقال من الانقطاعات الكارثية إلى الأمن الكهربائي الشامل...
في يومين فقط، احترقت محطتان للكهرباء في نواكشوط.
ففي 21 أغسطس، أدى حريق في محطة التحويل الشرقية إلى انقطاع واسع للكهرباء في نواكشوط الشمالية وأجزاء من عرفات، وفي اليوم التالي اندلع حريق في محطة التحويل الشمالية بولاية نواكشوط الغربية، فأثر على معظم أحياء تفرغ زينة وأجزاء من لكصر والسبخة، إضافة إلى خطوط تغذي منشآت ومناطق حيوية، بينها مطار أم التونسي وميناء تانيت.
لم تكن المشكلة في الحريقين وحدهما، بل في السؤال الذي كشفتهما:
كيف يمكن لعطل في محطة واحدة أن يحرم مناطق واسعة من الكهرباء؟
الجواب يقودنا إلى جوهر التحدي: موريتانيا لا تحتاج فقط إلى إنتاج المزيد من الكهرباء، وإنما إلى منظومة قادرة على إنتاجها ونقلها وتوزيعها باستمرار، وبسعر مناسب.
قطاع أمام تحول كبير
رغم التحديات، تقف موريتانيا أمام فرصة تاريخية. فقد بلغ النفاذ إلى الكهرباء 52.2% فقط في 2024، فيما تستهدف الخطة الوطنية تعبئة 2.4 مليار دولار للوصول إلى النفاذ الشامل.
وفي الإنتاج، تتجه البلاد إلى مزيج جديد يجمع الغاز والشمس والرياح والتخزين.
فمشروع المحطة الهجينة الجديدة تبلغ قدرته 220 ميغاوات، منها 160 ميغاوات شمسية و60 ميغاوات رياح، مدعومة ببطاريات تخزين بطاقة 370 ميغاوات/ساعة، ومن المتوقع أن يبدأ إنتاجها خلال الربع الأخير من 2026.
كما أُبرمت شراكة لإنشاء محطة هجينة أخرى بقدرة 60 ميغاوات، باستثمار يقارب 300 مليون دولار، وإنتاج سنوي مقدر بـ 550 غيغاوات/ساعة.
وبالتوازي، يجري التخطيط لمحطة غازية في اندياغو بقدرة 225 ميغاوات، بما يتيح إنتاجاً أكثر استقراراً وأقل كلفة من الاعتماد على الفيول الثقيل.
وهكذا يمكن أن تقوم المعادلة الجديدة على:
الشمس والرياح لخفض الكلفة، الغاز للاستقرار، والبطاريات لمواجهة التذبذب والذروة.
لكن الإنتاج وحده لا يكفي
الكهرباء المنتجة لا قيمة لها إذا لم تصل إلى المستهلك.
ولهذا يجري العمل على بناء أكثر من 3407 كلم من خطوط الجهد العالي، منها 1340 كلم مستهدفة للدخول في الخدمة قبل نهاية الربع الأول من 2026، والبقية قبل نهاية 2029، إضافة إلى تعزيز شبكة نواكشوط بعشرات محطات التحويل ومئات الكيلومترات من الخطوط والكابلات.
كما يستهدف برنامج استعجالي كهربة 410 مدن وقرى، وتعزيز شبكات 60 بلدة، واقتناء 24 مولداً جديداً، فيما تستهدف مشاريع أخرى كهربة نحو 1100 قرية وتجمع محلي، بما قد يسمح بربط نحو 950 ألف مشترك جديد.
لكن درس الحريقين الأخيرين واضح: الشبكة لا تحتاج فقط إلى التوسع، بل إلى المرونة والاحتياط والصيانة.
فلا ينبغي أن يؤدي تعطل محطة واحدة إلى انقطاع واسع؛ ولذلك يجب توفير مسارات بديلة، وقدرات احتياطية، ومخزون استراتيجي من قطع الغيار، وأنظمة حماية ومراقبة حديثة، وفرق تدخل سريعة.
كيف نجعل الكهرباء دائمة وبسعر مناسب؟
المعادلة ليست رفع الأسعار لسد كلفة الإنتاج، ولا بيع الكهرباء بأقل من كلفتها إلى ما لا نهاية.
الحل هو خفض كلفة الإنتاج أولاً، عبر الغاز والطاقة المتجددة، وتقليل فاقد الشبكة، وتحسين التحصيل، وإصلاح أداء الشركة الموريتانية للكهرباء، ثم اعتماد تعرفة أكثر عدلاً.
وهنا يمكن اعتماد تعرفة اجتماعية تحمي الاستهلاك الأساسي للأسر، مع أسعار أكثر واقعية للاستهلاك المرتفع والأنشطة القادرة على تحمل التكلفة، والاستفادة من العدادات الذكية والمسبقة الدفع.
كما ينبغي تمكين الأسر والمؤسسات من إنتاج الكهرباء الشمسية وبيع فائضها للشبكة وفق قواعد واضحة.
المطلوب: أمن كهربائي لا مجرد زيادة الإنتاج
ينبغي أن تتحول مشاريع الإنتاج والنقل والتوزيع إلى استراتيجية وطنية واحدة تقوم على:
1. إنتاج أرخص عبر الغاز والشمس والرياح.
2. شبكة أقوى قادرة على استيعاب النمو وربط المدن والقرى.
3. احتياط وتكرارية تمنع تحول عطل محلي إلى أزمة واسعة.
4. صيانة استباقية ومخزون دائم من قطع الغيار.
5. خفض الفاقد وتحسين التحصيل بدل تحميل المواطن وحده كلفة الإصلاح.
6. تعرفة اجتماعية عادلة تضمن الكهرباء الأساسية بسعر مناسب.
7. قياس الأداء بوضوح عبر مؤشرات تشمل ساعات الانقطاع، وكلفة الكيلووات، ونسبة الفاقد، والتحصيل، ونسبة الطاقة المتجددة، وعدد المشتركين.
فالكهرباء ليست مجرد إنارة منزل؛ إنها ماء يُضخ، ومستشفى يعمل، ومصنع ينتج، ومزرعة تُروى، واقتصاد ينمو.
ولهذا فإن درس حريق محطتي نواكشوط ينبغي ألا يكون مجرد إصلاح الأضرار وإعادة التيار، بل إعادة بناء شبكة أكثر أمناً وقدرة على الصمود.
والهدف النهائي يجب أن يكون واضحاً:
كهرباء لكل موريتاني، مستقرة طوال اليوم، وبسعر يستطيع المواطن والاقتصاد تحمله.
د. محمد الأمين شريف أحمد