زار فخامة رئيس الجمهورية محطتي تحويل الكهرباء في انواكشوط الشمالية وانواكشوط الغربية في وقت متأخر من ليلة أمس ووقف بنفسه على حجم الأضرار التي خلفتها حرائق شبه متزامنة بالمحطتين واستمع إلى شروح الفنيين حول الحريقين وحول تقدم أشغال إعادة خدمة الكهرباء.
نعرف كلنا أن الرئيس كان بإمكانه تكليف الوزير الأول أو الوزير مدير الديوان الرئاسي أو وزير الطاقة والنفط بهذه الزيارة وستصله قطعا الخلاصات ولكن الاستنطاق الأول للصورة هو استنطاق قيادي بامتياز فالقائد وقت الأزمة لا يفوض بل يتولى الصلاحيات الأصلية وهو من انتخبه الشعب لقيادته وحمايته وتحسين ظروف معيشته وخلق الأمل بين مختلف شرائحه.
ظهر فخامة الرئيس ببدلة تتجاوز ابروتوكولات الظهور الرئاسي العادي فالمقام ليس مقام ابروتوكولات وايتيكيت بل مقام العمل الميداني وكانت الخلفية بدون رتوش، بدون مساحيق، بدون فلاتر، كانت خلفية حقيقة المشهد: باب حديدي تجاوزته ألسنة اللهب حتى بان من آثار الاشتعال ما يعطي الصورة عن حجم الاحتراق.
ظهر فخامة الرئيس وبعض الإعياء البدني لا تخطئه العين بعد ساعات مداومة طويلة قضاها للإشراف والتنسيق والمتابعة لجهود إعادة الخدمة ومن الواضح جدا أن فخامته كان منذ بدء الأزمة حيث ينبغي أن يكون ولا أدل على ذلك وصول تجهيزات خلال وجوده بأحد المراكز وعودة تدريجية للتيار لبعض الأحياء خلال الزيارة.
جاءت الكلمة الرئاسية هادئة كالعادة في الشكل، صارمة كالعادة في المضمون، شاملة لتفاصيل ما سيتم القيام به على أساس مؤسسي: تحقيق شامل وشفاف يحدد طبيعة ما حصل، أسبابه والمسؤوليات المترتبة عليه.
وحده التحقيق سيمكن من معرفة الأجوبة الدقيقة على الأسئلة الكثيرة والمبعثرة: حادث طبيعي بسبب ارتفاع درجات الحرارة (التزامن قد لا يعضد هذه الفرضية)؛ حادث ناتج عن الإهمال أو التقصير (سيُعرف مصدر التقصير)؛ حادث ناتج عن بواعث إجرامية (سيتم الوقوف على حقيقة الفرضية)؛ حادث ناتج عن توريدات غير مطابقة للمواصفات (سيتم تعقب مراحل مسار الصفقة أو الصفقات والوقوف على الجزئيات).
بعد اكتمال التحقيق سيحين وقت ترتيب المسؤوليات واتخاذ الإجراءات الضامنة لعدم تكرار المشهد: الإجراءات الفنية والإجراءات التأديبية.
ختاما لا أحسبكم تنتظرون تحليلا من كاتب السطور وهو الذي لا يعرف عن الكهرباء حتى أبجدياتها ولكنني ملم ببعض تفاصيل الصفقات العمومية وكثيرا ما استغربت عزوف شركة الكهرباء عن تولي توريداتها مباشرة من المصدر عبر إدارتها المسؤولة عن الشراءات، نعم سيمكن ذلك من تواصل فعال بين فنيين من الشركة يتحدثون بلغة الفني مع فنيين من المصانع التي ستُقتنى من عندها التجهيزات بدل المرور عبر وسيط له عمولته (وعمولات موظفين فاسدين يمكن أن يكونوا في المشهد ولستُ متأكدا). وحدها الأشغال لبناء مراكز يمكن أن تبرر اللجوء إلى صفقات مفتوحة للمحليين.
ختاما، ظهر فخامة الرئيس في الصورة بدون طاقم ليقول للموريتانيين: أنا هنا أعيش بينكم، استشعر آلامكم ومعاناتكم وأعمل لإعادة الخدمة وبأسرع وقت ممكن.
ترتيب الأولويات:
- إعادة التيار (عن التيار الكهربائي أتحدث طبعا فأنا كما تعلمون أمقت التيارات السياسية بأوزانها الصرفية المتعددة على شاكلة: تائهون، تافهون، ساذجون، مشاغبون، متصنعون، مندسون….)؛
- فتح تحقيق شامل وشفاف؛
- اتخاذ إجراءات حاسمة ورادعة؛
- استخلاص الدرس و تغيير المقاربة لضمان الفعالية وعدم تكرار المشهد.
حفظ الله بلادنا ومكنها من سُبل التقدم والازدهار في أمن واستقرار.