إن من المسلمات التي ينطلق منها واحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -حتى يأتي بنتائج مرضية- الحب في الله والبغض في الله أولا، كعقيدة لا يخلَصُ العمل لله من دونها، وهي عقيدة الولاء والبراء، في المعنى العام لتطبيقات هذه العقيدة.
وقد أجمعت الأمة على وجوب ترتيب الواجبات التكليفية الشرعية بالدليل النقلي والعقلي، وهذا الترتيب ليس على السوية والتخيير، بل على وجه الإلزام، وقد بدأت الرسالات السماوية كما بدأ ديننا الإسلامي الحنيف بالعقيدة لمكانتها في هذا الترتيب، ولعمقها في الأساس الذي يقوم عليه أمر الدين؛ صلاحا وفسادا.
وقد أورد الأخضري رحمه الله في كتابه -الأكثر شيوعا ودراسة عندنا- في باب أول ما يحب على المكلف:"....وَأَنْ يُحِبَّ لِلَّهِ وَيُبْغِضَ لَهُ وَيَرْضَى لَهُ وَيَغْضَبَ لَهُ، وَيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ" بعد ذلك. وهذا مقتضى عقيدة الولاء والبراء.
فعقيدة الولاء هي: الولاء لله ولرسوله اعتقادا وعملا حتى يتحقق الإيمان أولا، وللمؤمنين ولاء قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) صدق الله العظيم.
أما عقيدة البراء فهي: البراءة من الظلمة المخالفين لأمر الله تعالى، والبغض فيه جل وعلا قال تعالى : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) صدق الله العظيم
وإذا كان من ضوابط عقيدة البراء أنها لا تقتضي بالضرورة إظهار العداء لغير أعداء الله غير المهادنين ولو كانوا كفارا، فإنها أيضا لا تقتضي بالضرورة الميوعة وعدم الفصل بين الولاء والبراء، فهنالك حدود فاصلة بينهما وقد يجعل عدم تمييزها من عدم إظهار البراء ولاء قد يلبس على العامة أمر دينها، وغني عن البيان أن ذلك من الممنوعات الشرعية.
ولبيان الحدود الفاصلة بين الولاء الواجب لله ورسوله والمؤمنين والبراء الواجب من أعداء الله ورسوله وأعداء المؤمنين؛ نورد بعض صور الولاء للمؤمن حتى لا يلتبس علي الدهماء بالبراء.
- أولا : ولاء الود والمحبة، وهذا يعني أن يحمل المسلم لأخيه المسلم كل حب وتقدير، فلا يكيد له ولا يعتدي عليه ولا يمكر به.
- ثانيا : ولاء النصرة والتأييد، ويكون ذلك عندما يوقع على مسلم ظلم أو حيف، فإن فريضة الولاء تقتضي من المسلم أن يقف إلى جانب أخيه المسلم، ويدفع عنه الظلم قدر المستطاع، وهو بحسب الضوابط المعروفة شرعا، وليس من ذلك في شيء التأييد على ظلم المخلوقات وقمطهم حقوقهم.
- ثالثا : النصح للمؤمن والشفقة عليه، وهو واجب أيضا، ونورد الحديث الذي روي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " متفق عليه.
إذن: فالبراء يقتضي أن تتبرأ من كل معتد على مسلم أو ماكر به، ويقتضي النصرة والتأييد في رد الحقوق المسلوبة، ورد المظالم حتى لو وقعت من مسلم، كما يقتضي واجب النصح للمؤمن والشفقة عليه من عذاب الله حين يظلم؛ نصحه بالتوبة وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، فنصحه إن قبل النصح من الولاء للمؤمن، وإلا فالبراء منه ومن عمله بالبعد عنه، حتى يتبين أنه على خطأ، فالولاء للظالم حتى لو كان مؤمنا على المظلوم هو مناف للبراء الواجب.
وفي بيان أهمية هذه العقيدة يقول العلامة أبو الوفاء ابن عقيل :إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب المساجد، ولا ضجيجهم بالتلبية في أفواج الحجيج، وإنما انظر إلى مواقفهم من تطبيق شرع الله ومواطأتهم أعداء الشريعة، فقد عاش ابن الرواندي والمعري -عليهما لعائن الله- ينظمون وينثرون كفراً .. وعاشوا سنين، وبعد موتهم عظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب، فلو لم يكن الدين كذلك لتبين العامة شرهم من براء الخاصة منهم.
وإذا كانت موالاة بعض الأنظمة قد تكون من الولاء أو من (التقية) على الأصح من التعبير، ومن أكثره انصافا؛ فأين عقيدة البراء من بعضهم الآخر -الذي هو أكثر أهل اليوم- والبراء من أعماله المحادِدَة لله ولرسوله وللمؤمنين، والمناهِضة للمصالح العامة (مصالح المؤمنين) والمناهضة لمصالح الضعفاء منهم؛ (عيال الله) على الوجه .