زيارة رئيس الجمهورية لولاية آدرار: بين رهبة اللحظة وتكليف المآل

Image
chinguitel
التاريخ 25 September 2026 آخر تحديث 25 September 2026

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية آدرار مجرد إيفاء ببروتوكول سلطوي أو طوفان خاطف في أروقة الإقليم ينقضي بانقضاء موكبه وتهاوي صدى أصهاله  بل كانت محطة استحقاق يتقاطع فيها وجه الدولة العميق بنبض ولاية ضاربة في أطناب التاريخ. كانت الزيارة سقف مكاشفة يضع الهرم المباشر للسلطة أمام عين الحقيقة، ويتيح لساكنة هذا الإقليم الأشم أن يرفعوا مظالمهم ومطالبهم حرى غير منقوصة إلى سدة القرار.

وإذا كان العرف والشهامة يقتضيان أن تستقبل آدرار ضيفها بما يتكافأ مع مهابة رمزيتها ووقار مقامه، وأن تحتفي بالبشائر التنموية والمشاريع المرتقبة، فإن مقتضى الصرامة التحليلية يشترط الخروج فورا من خدر الاحتفاء ولغط الترحيب لارتكاز السؤال الأكثر إلحاحاً وعرامة: هل نجحنا في تمثيل آدرار على حقيقتها، أم قدمنا للرئيس مجرد صنيعة بصرية مزوقة لما نهوى أن تقع عليه عيناه؟

عذر الناصحين: تشخيص الخلل أم تجميل الواقع؟

إن هذا السؤال النافذ لا ينبغي أن يُرمى به في ساحة رئيس الجمهورية، بل هو سهم نقد صريح يرمى به في ساحة النخب المحلية، والمنتخبين، والأطر، والمدبرين للشأن العام في الولاية. فالقائد لا يملك أن يحيط علما بداء لم يرفعه إليه حاملوه، ولا أن يطرد ضيما عن أطراف لم يستبسل أهلها في إبانته، ولا أن يتخلل بأنه الاختلالات الثاوية خلف سرادقات الزينة وأهازيج التجميل.

من هنا تتجلى الموالاة الحقيقية في تجردها العريان: إن الموالاة الصادقة ليست هتافا أعمى يزعم للرئيس أن كل شيء على ما يرام، بل هي الجسارة الأخلاقية والسياسية التي تمسك بيده نحو مكامن الداء وتدله على موضع المشرط. لقد وطئ الرئيس أرض آدرار محفوفا بالمشاريع، ولكن بواحد من أسمى مقاصد الحكم: أن يستمع. بيد أن فضيلة الاستماع تفقد مغزاها التنموي والسياسي متى ما تحولت الزيارة إلى مضمار تزاحم بين الذوات والمجموعات  تباريا على خطف الأنظار، واستلاب التغطيات، واقتناص الخطوة أدنى المنصة الرئاسية.

البوصلة المطلقة: الولاية فوق الذوات والحسابات

تقتضي الحقائق الصارخة في إقليم آدرار التسامي عن أوهام الذاتية والارتقاء إلى حجية الواقع:

  • آدرار بصلابتها التاريخية وثقلها التليد أكبر من أن تسخر لطموحات الأفراد ونزواتهم.
  • شنقيط بمنارتها الهادية وإرثها العابر للأزمان أكبر من الخصومات الضيقة والنوازل العابرة.
  • أطار بحيويتها وموقعها الثقيل أكبر من المناورات الانتخابية التكتيكية.
  • وادان وأوجفت بشموخ نخلها وصبر أهاليها أكبر من أن تختزل كبرياؤهما في لافتة بلاستيكية أو صورة ترحيب خاطفة.

لقد آن الأوان لانتزاع الخطاب من مستنقعه السطحي الداعي للبحث عن "من تصدر الموكب ومن استقبل ؟"، وقذفه نحو مداره المصيري الصحيح: "ماذا يريد آدرار، إنسانا وأرضا، من رئيس الجمهورية؟"

إن الجواب الشافي لا يتطلب سفارة؛ فالناس يبغون:

  1. تنمية مستدامة تجتث العجز من جذوره ولا تكتفي بالمسكنات المقتطعة.
  2. فرص تمكين حقيقية للشباب تحصنهم ضد الهجرة وتستنقذ طاقاتهم من الهدر.
  3. استثماراً سياحيا ساختارا وممتدا يستنفد طاقات الإقليم ولا ينكمش في مواسم شاحبة.
  4. دعم حيويا للواحات وشرايين الزراعة يسترد للمدرة عطاءها أمام الجفاف.
  5. بنية خدمية صلبة فكا للعزلة عن مناطق الإنتاج وتأميناً للماء والكهرباء والاستشفاء.

وفي شنقيط على وجه الخصوص، لا يجوز أن يظل العقل التنموي مرتهنا لطقوس "موسم الگيطنة" أو شواهد السياحة العابرة، ليقف الجميع بعد انقضائهما ذهولا أمام ظاهرة نزيف الشباب وركود الشرايين الاقتصادية طيلة العام! تلك هي القضايا الصلبة التي يجب أن تشغل العقول والضمائر غداة رحيل الموكب.

المحك العدل: الاختبار الحقيقي بعد المغادرة

لقد انقضت الزيارة، وأفضى الرئيس بما عنده من التزامات وبشائر تنموية، غير أن التكليف الحقيقي لم يبرح ساحة أبناء الولاية ونخبها.

إن وازع الوطنية يفرض على الموالاة أن تكون الجدار الصامد لتحقيق مشروع الدولة، لا الغطاء الذي يستتر به على موضع الخلل. كما يملي على المعارضة والنقد البناء طرح البدائل المجسدة وتجاوز النزوع العدمي الذي يضع كل إنجاز في دائرة الاتهام. وبين هاتين الرؤيتين، يجب أن تظل مصلحة آدرار العليا هي القطب والمعدن.

إن المعيار الوحيد لتقييم الحدث لا يقاس بحجم التجمهر ولا بنصاعة الشعارات، بل بمرحلة النفاذ والمتابعة:

  • فإن تجسدت الوعود واقعاً شاخصا في يوميات الناس ، فذلك الفوز والمكسب للرئيس وحكومته ولأهل الولاية جميعاً.
  • وإن نالها التعثر وابتلعتها أدراج البيروقراطية، فإن أول من ينبغي أن يُحمل المساءلة جهارا هم سدنة الملفات والمؤتمنون على متابعة المشاريع محليا.

إن أسمى صور الوفاء لزيارة رئيس الجمهورية لا تكمن في إبقاء الصور مثبتة على جدران أطار وشنقيط، بل في بث أثر هذه الزيارة حيا في تفاصيل حياة المواطن. لقد زار الرئيس، واستمع، وأعلن؛ وبدأت الآن المهمة الأعتى والأنبل: أن نجعل من هذه الزيارة نقطة انطلاق لورشة عمل لا تنتهي، لا ختاما لكرنفال احتفالي وانقضى.

سيدنا ولد السبتي

Image
mrtel