الصرف الصحي في موريتانيا.. جهود متصاعدة وتحديات تمس حياة المواطن

Image
chinguitel
التاريخ 26 September 2026 آخر تحديث 26 September 2026

تكفي أمطار معتبرة حتى تظهر في نواكشوط وبعض المدن معاناة يعرفها المواطن: طرق تغمرها المياه، وأحياء يصعب الدخول إليها والخروج منها، وتاجر يتعذر عليه الوصول إلى حانوته، وموظف إلى مكتبه، وأسرة إلى منزلها. وتصبح المشكلة أشد حين يتعلق الأمر بمريض يحاول بلوغ مستشفى أو مركز صحي، أو بسيارة إسعاف يفترض أن تختصر الدقائق لا أن تبحث عن منفذ بين تجمعات المياه.

لكن الإنصاف يقتضي وضع ذلك في سياقه؛ فالمشكلة تراكمت عبر عقود، بفعل نمو حضري سريع، وتمدد عمراني سبق البنية التحتية أحيانًا، وطبيعة أرضية صعبة، وضعف الانحدار وارتفاع منسوب المياه الجوفية في مناطق من نواكشوط، فضلًا عن تأخر بناء منظومة متكاملة للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.

وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة انتقالًا من تدخلات محدودة ومتفرقة إلى استثمارات ومشاريع هيكلية كبيرة. لذلك لا يستقيم التقييم بإنكار الجهد المبذول، ولا بقياس النجاح بحجم الأموال وحده؛ فالمواطن يقيسه بما تغير في حياته: هل أصبح الطريق سالكًا؟ هل يصل المريض إلى المستشفى؟ هل تقلصت الأحياء التي تغمرها المياه؟ وهل تعمل الشبكات والمحطات باستمرار؟

ومن هنا تبرز أربعة أسئلة: كيف تطور التمويل؟ ماذا تحقق؟ ما التحديات المتبقية؟ وكيف تتحول الاستثمارات إلى أثر ملموس ومستدام؟

1. من محدودية الموارد إلى الاستثمارات الكبرى

يقتضي التقييم الفصل بين ميزانية المكتب الوطني للصرف الصحي (ONAS) والاستثمارات العمومية في مشاريع الصرف الصحي؛ فهما ليسا الشيء نفسه.

وتظهر الاستراتيجية الوطنية للصرف الصحي لسنة 2011 أن ميزانية تشغيل شبكة المجاري ومحطة المعالجة في نواكشوط بلغت نحو 40 مليون أوقية قديمة سنة 2009، و59.25 مليونًا سنة 2010، إضافة إلى نحو 3.24 ملايين أوقية من إتاوة الصرف الصحي. وكانت الوثيقة تصف الصرف المطري بأنه قطاع قليل التطور، مع نقص البيانات المالية المتكاملة عنه.

ثم توسعت البرمجة الاستثمارية. ففي خطة SCAPP 2021–2025 برمجت الدولة نحو 9.7 مليارات أوقية جديدة لشبكة المياه المستعملة في نواكشوط، و2 مليار لنواذيبو، و400 مليون لتأهيل محطة معالجة نواكشوط، و250 مليونًا لتعزيز شبكة صرف مياه الأمطار، و300 مليون لإنشاء أربعة أقطاب جهوية، إلى جانب استثمارات أخرى.

وهذه أرقام برمجة وتكاليف مشاريع، ولا تعني بالضرورة إنفاقها بالكامل.

أما التحول المالي الأكبر فهو مشروع الصرف الصحي في نواكشوط – القطب أ، بتكلفة 177.6 مليون دولار ممولة بالكامل من ميزانية الدولة. وهو مشروع استثماري متعدد السنوات، وليس ميزانية تشغيل سنوية لـONAS.

2. النتائج: ماذا تحقق؟

انتهت المخططات الرئيسية للصرف الصحي في النعمة ولعيون وكيفه وكيهيدي وروصو، وتم تأهيل وتوسيع نحو 63 كم من شبكتي روصو ونواكشوط لتصريف مياه الأمطار، وتأهيل أجزاء من شبكة وسط نواكشوط، وإنشاء أو تأهيل منشآت للحماية والضخ، وتنظيف شبكات كيهيدي وألاك وأكجوجت.

وفي روصو أعيد تأهيل الشبكة القديمة ومحطات الضخ، ونُفذت سنة 2023 أعمال في كيهيدي وألاك وأكجوجت، وسدود حماية في بوكي، ومنشآت في الدار البيضاء والبصرة بنواكشوط، وربط مناطق في دار النعيم وتيارت بشبكة تصريف مياه الأمطار. وبذلك اتسع نطاق تدخل ONAS خارج العاصمة وتعززت قدرات مواجهة مياه الأمطار في عدة مدن.

مشروع نواكشوط.. الرهان الأكبر

يستهدف مشروع القطب أ تفرغ زينه ولكصر والسبخة وأجزاء من الميناء وتيارت، ويتضمن أكثر من 104 كم من الأنابيب الرئيسية، و12.3 كم إضافية، و66 كم من أنابيب PVC، و29 محطة ضخ ورفع.

وفي مكون تصريف مياه الأمطار يتضمن نحو 15.7 كم من القنوات الخرسانية وخمس محطات ضخ، فيما تبلغ الطاقة الأولية لمحطة معالجة المياه المستعملة نحو 19 ألف م³ يوميًا، مع قابلية التوسعة.

ويمثل تمويل المشروع بـ177.6 مليون دولار انتقالًا مهمًا لمشروع هيكلي للعاصمة إلى مرحلة التمويل والتنفيذ.

كما يوفر انتقال الدولة سنة 2026 إلى ميزانية البرامج وربط الاعتمادات بالأهداف ومؤشرات الأداء فرصة لتعزيز قياس النتائج والمساءلة.

3. التحديات: من المشروع إلى الخدمة

رغم ما تحقق، تبقى فجوة الخدمة كبيرة قياسًا بحاجات المدن. فنواكشوط لا تزال بحاجة إلى شبكة جماعية تتناسب مع حجمها السكاني والعمراني، كما أن مدنًا أُنجزت لها مخططات ودراسات لم تتحول كلها بعد إلى شبكات متكاملة، وظلت بعض التدخلات ذات طابع استعجالي أو موسمي بدل الاندراج في منظومة شاملة.

وتوضح دراسة حكومية سابقة حجم الحاجة في العاصمة؛ إذ قدرت ضرورة إنشاء منظومة قادرة على معالجة 50 ألف م³ يوميًا وربط 75 ألف منزل، بكلفة تقارب 420 مليون يورو. ولذلك يمثل مشروع القطب أ، رغم ضخامته، مرحلة أساسية من الحل وليس نهايته.

ويبرز أيضًا تحدي الآجال؛ فقد وضع حجر أساس المشروع في 16 ديسمبر 2024 بمدة إنجاز معلنة تبلغ 45 شهرًا، بينما كانت الحكومة في أبريل 2026 لا تزال تناقش الخطة التنفيذية لبدء الأشغال الميدانية في بقية مكوناته. وهذا لا يمثل حكمًا مسبقًا على المشروع، لكنه يجعل سرعة الانتقال من الدراسة والتحضير إلى الإنجاز الفعلي مؤشرًا مهمًا للتقييم.

أما مؤسسيًا، فالتحدي هو ضمان ترابط خمس حلقات:

التخطيط – التمويل – التنفيذ – الصيانة – قياس النتائج.

فالمنشأة لا تحقق غايتها بمجرد بنائها، بل باستمرار تشغيلها وصيانتها وتوفير التمويل والكفاءات اللازمة لها، والانتقال من معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى الصيانة الوقائية والاستعداد المسبق.

4. من قياس الإنفاق إلى قياس الأثر

مع ارتفاع الاستثمار، لا يكفي السؤال: كم أنفقنا؟ بل ينبغي أن يكون السؤال: ماذا تحقق مقابل ما أنفقناه؟

وذلك بقياس: عدد المنازل المرتبطة بالشبكة، وكمية المياه المعالجة يوميًا، وعدد الأحياء التي تحسنت حمايتها من تجمع المياه، وجاهزية محطات الضخ، ومتوسط زمن التدخل عند الأعطال والتجمعات، وتكلفة معالجة المتر المكعب، ونسبة تنفيذ الاستثمارات مقارنة بالبرمجة.

وبذلك تنتقل الرقابة من متابعة الاعتمادات والمنشآت إلى قياس الخدمة والأثر.

5. مقترحات عملية لرفع الكفاءة

يمكن اعتماد عقد أداء سنوي بين الدولة وONAS، تربط فيه الاعتمادات بمؤشرات منشورة تشمل نسبة السكان المرتبطين بالشبكات، وطول الشبكات العاملة، وكمية المياه المعالجة، وزمن التدخل عند تجمع المياه، وجاهزية محطات الضخ، وتكلفة التشغيل لكل متر مكعب، ونسبة تنفيذ الاستثمار.

وبالتوازي يمكن اعتماد:

• الرقمنة: إنشاء منصة وطنية تعرض خرائط الشبكات والمحطات والأعطال والمشاريع ونسب الإنجاز والتكاليف، مرتبطة بنظام GIS ومركز تدخل خلال موسم الأمطار.

• الفصل المحاسبي: بين الصرف المنزلي، وتصريف مياه الأمطار، والتدخلات الاستعجالية، لمعرفة تكلفة وأداء كل نشاط.

• خطة استثمار عشرية 2027–2036: لنواكشوط ونواذيبو وعواصم الولايات، تحدد المشاريع والتكاليف والآجال ومصادر التمويل، بدل الانتقال من أزمة موسمية إلى أخرى.

• الصيانة الوقائية: إرفاق كل منشأة بخطة صيانة وميزانية تشغيل مضمونة، بدل انتظار الأعطال.

• تنمية موارد ONAS الذاتية تدريجيًا: مع حماية الأسر محدودة الدخل، لضمان استدامة التشغيل والصيانة وتقليل الاعتماد الكامل على التحويلات الميزانوية.

• التقييم المستقل: إخضاع المشاريع الكبرى بعد الإنجاز لتقييم يقارن التكلفة والآجال والأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية؛ لمعرفة ما نجح لتكراره وما تعثر لتصحيحه.

د محمد الأمين شريف أحمد

Image
mrtel