أكجوجت ـ بنشاب | قراءة في زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية إينشيري
ليست زيارة رئيس الجمهورية إلى الولايات الداخلية مجرد انتقال جغرافي من العاصمة إلى المدن والحواضر البعيدة، بل هي، في جوهرها، اختبار ميداني لمدى اتصال السياسات العامة بالواقع اليومي للمواطنين، وفرصة لوضع البرامج والمشاريع أمام أسئلة الميدان ومطالب السكان.
ومن هذا المنظور، جاءت زيارة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى ولاية إينشيري يومي 24 و25 سبتمبر 2026، في سياق جولة ميدانية تشمل عدداً من ولايات الوطن، وتقوم على التواصل المباشر مع السكان، والاطلاع على أوضاعهم، ومتابعة مسار تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية. وقد شملت الزيارة مدينتي أكجوجت وبنشاب، حيث عقد رئيس الجمهورية لقاءات مع الأطر والوجهاء واستمع إلى جملة من المطالب والتطلعات المحلية.
ولعل أهمية الزيارة تنبع، قبل كل شيء، من خصوصية إينشيري نفسها؛ فهي ولاية ارتبط اسمها تاريخياً بالتعدين، لكنها تحمل في الوقت ذاته أسئلة أوسع تتعلق بالمياه، والخدمات الأساسية، والبنية التحتية، وفرص التشغيل، ومستقبل الشباب، وكيفية تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى تنمية محسوسة ومستدامة.
أكجوجت.. من جغرافيا التعدين إلى سؤال التنمية
في أكجوجت، كان ملف التعدين حاضراً في صلب الحديث الرئاسي. فقد أكد رئيس الجمهورية أن الحكومة تعمل على تطوير القطاع وتعزيز مردوديته الاقتصادية والاجتماعية، وهو طرح يضع التعدين في إطار أوسع من مجرد استخراج الموارد الطبيعية، باتجاه زيادة أثره في الاقتصاد الوطني وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمناطق التي تحتضن النشاط التعديني.
وهنا تحديداً تكمن إحدى القضايا الجوهرية التي تستحق أن تظل حاضرة في النقاش العام: كيف تتحول الثروة المعدنية إلى قيمة مضافة، وإلى فرص عمل، وإلى خدمات، وإلى اقتصاد محلي أكثر حيوية؟
فالثروة الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، لا تصبح تنمية تلقائياً. وبين وجود المورد والاستفادة منه مسافة تصنعها السياسات العمومية، والاستثمار، والتكوين، والبنية التحتية، والقدرة على خلق أنشطة اقتصادية موازية، وربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن تطوير التعدين لا ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل إينشيري: هل تستطيع الولاية أن تنتقل تدريجياً من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استخراج الموارد إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، تستفيد فيه من موقعها ومواردها البشرية والطبيعية، وتصبح فيه التنمية المحلية شريكاً حقيقياً للنشاط التعديني؟
الشباب.. الثروة التي لا تُستخرج من باطن الأرض
في أكجوجت أيضاً، حمل خطاب رئيس الجمهورية رسالة واضحة بشأن الشباب، حين وصفه بالثروة الحقيقية للبلاد، وربط مسؤوليته بتحويل الإمكانات والمقدرات الوطنية إلى ثروة تتجسد في التنمية والرقي والازدهار.
وهو حديث يتجاوز، في دلالته، حدود الخطاب المناسباتي؛ لأن مستقبل أي ولاية لا يُقاس فقط بما تختزنه أرضها من معادن أو ما تتوفر عليه من موارد، وإنما بما تمتلكه من طاقات بشرية قادرة على تحويل تلك الإمكانات إلى إنتاج وفرص وقيمة مضافة.
وفي ولاية مثل إينشيري، يبدو هذا الرهان أكثر وضوحاً. فالتعدين يحتاج إلى كفاءات، والمشاريع تحتاج إلى مهارات، والاقتصاد المحلي يحتاج إلى مبادرات، والتنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم إلا على جيل يمتلك أدوات المعرفة والتكوين والعمل.
ومن هنا، فإن ربط الشباب بالتكوين والإنتاج والعمل يفتح الباب أمام مقاربة أوسع لقضية التشغيل، لا تجعل الوظيفة العمومية هي الأفق الوحيد، وإنما توسع دائرة الفرص لتشمل التكوين المهني، والمبادرة الخاصة، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، والخدمات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية الكبرى.
المياه.. حين يصبح المورد أساساً للحياة والتنمية
ومن بين الملفات التي برزت خلال الزيارة مشروع تزويد مدينة أكجوجت والقرى الواقعة على المحور الرابط بينها وبين بنشاب بالمياه الصالحة للشرب انطلاقاً من بحيرة بنشاب، وهو مشروع وصفه عمدة بنشاب بأنه استجابة لمطلب ظل سكان المنطقة ينتظرونه منذ سنوات.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أن الماء ليس مجرد خدمة عمومية من بين خدمات أخرى؛ فهو أساس للاستقرار السكاني، والصحة، والنشاط الاقتصادي، وتحسين شروط العيش.
ولهذا فإن معالجة إشكالية المياه في إينشيري يمكن أن تكون لها آثار تتجاوز توفير مياه الشرب إلى إعادة تشكيل إمكانات الاستقرار والنمو في عدد من التجمعات الواقعة على المحور الرابط بين المدينتين.
وفي المناطق الصحراوية، لا تُقاس قيمة مشاريع المياه بحجم منشآتها فقط، وإنما بعدد السكان الذين تصل إليهم، واستدامة الخدمة، وجودتها، وقدرتها على مواكبة التوسع العمراني والسكاني في المستقبل.
من المشروع إلى أثر المشروع
شهدت إينشيري خلال السنوات الماضية إطلاق وتنفيذ عدد من المشاريع في مجالات الخدمات الأساسية، من بينها منشآت مرتبطة بالصحة والمياه والتعليم، ضمن البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية. ومن بين المشاريع التي تمت متابعتها ميدانياً أشغال المستشفى الجهوي في أكجوجت ومحطة تحلية المياه ومدرسة لمبيطيح.
غير أن نجاح أي سياسة تنموية لا يتوقف عند إطلاق المشاريع أو بلوغها مراحل متقدمة من الإنجاز؛ فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تدخل المنشأة حيز الخدمة، ويصبح المواطن قادراً على قياس أثرها في حياته اليومية.
وهنا تتقدم مسألة المتابعة إلى واجهة المشهد: جودة الإنجاز، احترام الآجال، حسن التسيير، استدامة الخدمات، والقدرة على معالجة الاختلالات التي قد تظهر بعد تشغيل المنشآت.
وهي مسائل لا تنتقص من قيمة ما تحقق، بل تجعل من المتابعة الطبيعية والرقابة المجتمعية والإدارية جزءاً من نجاح التنمية نفسها.
بنشاب.. حين تتسع خريطة الزيارة
لم تتوقف الزيارة عند عاصمة الولاية. فقد انتقل رئيس الجمهورية إلى بنشاب، المحطة الثانية والأخيرة من زيارته لإينشيري، حيث التقى الأطر والوجهاء، وأكد أن الهدف من الزيارة هو الاطلاع عن قرب على واقع المقاطعة، والاستماع إلى مشاكل السكان ومطالبهم وتطلعاتهم المستقبلية.
وتمنح هذه المحطة للزيارة بعداً مهماً، لأنها تضع التنمية خارج مركز الولاية أيضاً تحت المجهر.
فلكل منطقة داخل الولاية خصوصياتها، وقد لا تكون الأولويات واحدة بين أكجوجت وبنشاب والقرى والتجمعات الواقعة بينهما. ولذلك فإن التخطيط التنموي الأكثر فاعلية هو الذي ينطلق من فهم دقيق للفوارق المحلية، ويعطي لكل منطقة ما يلائم حاجاتها وإمكاناتها.
وقد حظيت الزيارة في بنشاب باستقبال شعبي واسع، كما شهدت أكجوجت استقبالاً مماثلاً عند وصول رئيس الجمهورية.
غير أن الاستقبال، مهما كان معبراً عن الترحيب، يظل لحظة عابرة في عمر الزيارة؛ أما الأهم فهو ما يبقى بعدها من قرارات ومشاريع ومتابعة.
بين المطالب والوعود.. تبدأ المرحلة الأكثر أهمية
في الزيارات الميدانية، تبرز دائماً مطالب السكان وتطلعاتهم، وتُعرض أمام المسؤول الأول في البلاد صورة مباشرة عن الواقع المحلي. لكن القيمة العملية لهذه اللقاءات تظهر في القدرة على تحويل ما طُرح إلى أولويات واضحة قابلة للمتابعة والتنفيذ.
وقد سبقت الزيارة تحضيرات محلية شملت السلطات الإدارية والمنتخبين والفاعلين المحليين، مع التأكيد على أهمية عرض المشاكل والانشغالات بصورة موضوعية ومسؤولة. كما أشارت السلطات المحلية إلى أن البرنامج الاستعجالي الأول أسهم في معالجة عدد من النواقص، مع التحضير لبرنامج استعجالي ثانٍ لمعالجة ما تبقى منها.
وهنا تحديداً تبدأ المسؤولية الحقيقية بعد انتهاء الزيارة: أن تتحول المطالب التي عُرضت إلى ملفات محددة، وأن تخضع المشاريع المعلنة للمتابعة، وأن يعرف المواطن أين وصلت التعهدات ومتى يمكن أن يرى نتائجها على أرض الواقع.
إينشيري.. ولاية الموارد ورهان تنويع الاقتصاد
تكشف زيارة رئيس الجمهورية لإينشيري عن مفارقة جديرة بالتأمل: ولاية غنية بالموارد، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بتوسيع قاعدة اقتصادها وتحسين خدماتها وتعزيز قدرتها على خلق فرص جديدة.
فالتعدين يمكن أن يكون رافعة أساسية، لكن التنمية الأكثر رسوخاً هي التي تستفيد من التعدين دون أن تجعل مستقبل الولاية مرهوناً به وحده.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان، وفي التعليم والتكوين، وفي الخدمات، وفي البنية التحتية، وفي المؤسسات الصغيرة، وفي الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنمو حول القطاعات الكبرى.
إن قوة إينشيري المستقبلية لن تكون في حجم ما يُستخرج من أرضها فحسب، بل في مقدار ما تستطيع أن تضيفه إلى تلك الثروة من معرفة وعمل واستثمار وقيمة مضافة.
ما بعد الزيارة.. المحك الحقيقي
غادر رئيس الجمهورية إينشيري بعد محطتين حملتا كثيراً من الرسائل: رسالة استماع مباشر إلى السكان، ورسالة اهتمام بالتنمية المحلية، ورسالة تركيز على التعدين والشباب والخدمات الأساسية، فضلاً عن متابعة المشاريع القائمة والبحث عن مكامن النقص التي لا تزال بحاجة إلى المعالجة.
لكن الزيارات الرئاسية، في النهاية، ليست غاية في ذاتها؛ إنها وسيلة للاقتراب من الواقع، وتشخيص الاختلالات، وتوجيه السياسات، ومتابعة تنفيذها.
ومن ثم، فإن القيمة الأعمق لزيارة محمد ولد الشيخ الغزواني لإينشيري ستتحدد بما ستتركه من أثر مستدام في حياة السكان: ماء يصل بانتظام، ومرفق صحي يعمل بكفاءة، ومدرسة توفر تعليماً جيداً، وشاب يجد أمامه فرصة للتكوين والعمل، واقتصاد محلي يستفيد بصورة أكبر من مقدرات الولاية.
ذلك هو المعيار الذي يحوّل الزيارة من حدث عابر إلى محطة في مسار التنمية.
وفي إينشيري، حيث تتجاور ثروة الأرض مع طموح الإنسان، يبدو السؤال واضحاً: كيف نجعل من الإمكانات المتاحة تنميةً مستدامة، ومن الثروة فرصاً، ومن المشاريع أثراً يلمسه المواطن؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً بعد أن تهدأ أجواء الاستقبال وتغادر الوفود.
فالتنمية لا تكتمل لحظة وضع حجر الأساس، ولا عند إعلان المشروع، ولا بانتهاء الزيارة؛ وإنما تكتمل حين يصبح أثرها جزءاً طبيعياً من حياة الناس.
أمحمدى ولد الحسن
إطار في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك