تُعتبَر إدارة الأزمات من صميم علاقة السلطة بالمجتمع، ولها علاقة بتوجيه أو صرف الرأي العام عن الأزمات الكبيرة إلى أخرى أصغر منها، أو -حتى- إلى ما ليس أزمة في حقيقته، فالأزمات غالبا ما تكون نتيجة لبعض العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية أو السياسية، كما قد تكون نتيجة لأخطاء في التسيير أو لنواقص في السياسات العامة.
لكن إعادة ترتيب أولويات الرأي العام، أو صرف اهتمام المواطنين عن بعض القضايا الجوهرية إلى أخرى دونها في الأهمية؛ هو أمر قد يضطر النظام إلى افتعال بعض الأزمات، أو شد الانتباه العام إلى أمور لا تشكل في جوهرها أزمات حقيقية، وهذا لا يعني بالضرورة أن كل أزمة تقع في بلد ما؛ هي أزمة مفتعلة، بل إن إثبات تعمد الافتعال في الواقع يحتاج أدلة لا مجرد التزامن بين الأزمة الحقيقية وبين وجود مشكلة ما، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو إقتصادية.
ولما كان الرأي العام لا يستطيع متابعة جميع القضايا مجتمعة في الوقت نفسه، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تميل للسبق بطبيعتها، وتركز على الأحداث العاجلة والأحداث المثيرة للجدل؛ أصبحت الأزمات وافتعالها وسيلة ناجحة في إعادة ترتيب إهتمامات الجمهور ووسيلة مهمة لشد انتباهه. فحين يشتد النقاش العام حول الفساد أو ارتفاع الأسعار أو البطالة أو ضعف الخدمات، قد يحتاج النظام إلى افتعال قضية شديدة الإثارة -أخلاقية أو اجتماعية- لينتقل اهتمام الجمهور إليها، فيتراجع النقاش والإهتمام بالقضايا السابقة في سلم الأولويات في ترتيب إهتمام الجمهور.
قد لا يختلق النظام الأزمة من الصفر، وإنما يضطر لتوظيف أزمة كانت قائمة من قبل؛ بإثارة النقاش حولها، أو إعادة تضخيمها إعلاميا، لتتحول إلى قضية مركزية تستحوذ على انتباه الجمهور العام؛ فكلما انشغل المجتمع بقضية جديدة، تضيق مساحة النقاش حول ملفات بنيوية وقضايا جوهرية؛ كتلك المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، وبالعدالة الاجتماعية، وبالحكامة، وبمكافحة الفساد، أو بجودة التعليم أو بجودة الخدمات الصحية. وهكذا يتحول السؤال من التساؤل: "لماذا حدثت المشكلة؟ ومن هو المسؤول عنها أو المسؤول عن أسبابها؟" إلى سؤال بديل مستجد: "كيف نتعامل مع هذه الأزمة الحالة الآن؟".
وفي الواقع لا تمكن -بأي حال- إدارة الأزمات -سواء منها المفتعلة وغير المفتعلة- بمعزل عن الإعلام، فالأزمة تحتاج تغطية إعلامية واسعة ومتواصلة لتصبح أكثر حضورا في وعي المواطنين من القضية المركزية أو الأزمة الحقيقية، وقد شكل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي زيادة للطين بلة، بسبب سعي بعض روادها إلى "اترند" مما جعل الحديث عن "الإلهاء" لا يفترض دائما وجود السلطة ولا الإعلام الرسمي في خلق الأزمات، بل قد تسبب الأزمات المتتابعة إرهاق الجمهور؛ فيصاب المجتمع بالإرهاق السياسي ويعجز عن متابعة التفاصيل.
إن أكبر مشكلة قد يسببها هذا الوضع -الذي يجب أن يكون استثنائيا- هي؛ أن يتحول إلى حالة استنفار دائمة، ففي المجتمعات التي تتكرر فيها الأزمات؛ يصبح المواطن منشغلا دائما بالسؤال عن الأزمة التالية، بدل السؤال عن السياسات التي سببت الأزمة، أو تلك التي ساهمت في استمرارها،
باعتبار أنه صار يعتقد أن كل أزمة مفتعلة، لا سيما إذا تزامنت مع ظرف معين أو حادثة معينة، أو كانت هذه الأزمة من شأنها أن تخدم توجها سياسيا معينا.
إن استراتيجية الإلهاء؛ تثمر فقط مع المواطن الجاهل المنهك بالأزمات وحده، وليس المواطن المتعلم المتابع لشؤون التسيير، فهذا قد يسأل انطلاقا من عقله النقدي الذي تشكل بفضل وعيه أسئلة من قبيل: هل هذه أزمة حقيقية أم مفتعلة؟ وما هي أسبابها؟ ومن هو المستفيد من طرحها الآن؟.... إلخ فالمواطن الصالح لا يكون بالضرورة متلق فقط، إنما يكون مراقبا قادرا على التمييز بين الأزمات الحقيقية ووتلك المفتعلة بقصد التوظيف السياسي للأحداث.
إن فلسفة إفتعال الأزمات في المجال السياسي لا تختزل في فكرة واحدة مؤداها أن الأنظمة "تختلق المشاكل لإلهاء المواطنين"، بل إن الأزمات -سواء كانت حقيقية أو مفتعلة- يمكن أن تشكل أداة حقيقية لشد الانتباه المجتمعي العام، ومن ثم استخدام هذا الانتباه في إعادة تشكيل وعي مجتمعي حول قضية وطنية جوهرية؛ إذا وجدت الإرادة الصادقة للاصلاح.
ومن هنا تظهر ضرورة الشفافية في الخبر الاعلامي، وضرورة حرية الإعلام، والسعي لتعدد مصادر المعلومات، وتكريس حق المواطنين في الوصول إلى البيانات الحقيقية غير المغلوطة، كما لا ينبغي أن تتحول كل الأزمات (الحقيقية والمفتعلة) إلى وسيلة لحجب القضايا الجوهرية؛ فمهما مورس على مجتمع ما من الضغوط كي ينسى أزمة آنية؛ فلن ينسيه ذلك نقاش الأسئلة الكبرى المتعلقة بأزمات الاقتصاد، ولا تلك المتعلقة بالخدمات ولا تلك التي تتعلق بالعدالة، ومن باب أحرى أن تنسيه الأسئلة المتعلقة بالشفافية والمساءلة، أو تلك المتعلقة بالمساواة أمام الفرص..
#منصة_الحقيقة_الإخبارية_تابعونا