موريتانيا : من شرعية الإنقلابات إلى شرعية الإنتخابات

Image
chinguitel
التاريخ 17 June 2026 آخر تحديث 17 June 2026

لم تكن التجربة السياسية الموريتانية خطًّا مستقيمًا من السلطوية إلى الديمقراطية، ولا مجرد سلسلة انقلابات بلا مؤسسات؛ بل هي مسار مركّب تعاقبت فيه ثلاث صيغ للحكم: دولة التأسيس المركزية تحت المختار ولد داداه، ثم دولة اللجان العسكرية بين 1978 و1991، ثم جمهورية دستورية تعددية منذ دستور 1991 مع بقاء أثر العسكر والقبيلة وشبكات الزبونية داخل المجال السياسي. وقد أنتج هذا المسار مؤسسات انتخابية وقضائية وتشريعية أكثر انتظامًا مما كان قائمًا في العقود الأولى، لكنه لم يحسم بعدُ مسألة التوازن الفعلي بين الشرعية الانتخابية من جهة، والسلطة الأمنية والولاءات الاجتماعية غير الرسمية من جهة أخرى. لذلك تبدو موريتانيا اليوم أقرب إلى تعددية انتخابية محدودة ومقننة منها إلى ديمقراطية راسخة أو استبداد مغلق. 
مدخل ومنهج القراءة
هذا المقال يعتمد مزيجًا من النصوص الدستورية الرسمية، والنتائج الانتخابية الصادرة عن الهيئات الرسمية، ودراسات أكاديمية عربية وأجنبية حاولت تفسير علاقة الدولة بالمجتمع والجيش والقبيلة والدين في موريتانيا. لذلك فهو لا يتعامل مع “الديمقراطية” بوصفها مجرد وجود انتخابات، بل بوصفها حصيلة أربعة عناصر مجتمعة: تداول السلطة، استقلال المؤسسات، سعة الحقوق، وقدرة المجتمع على التنظيم والمساءلة. وحيث لا تتوافر سلسلة رسمية موحدة لكل المؤشرات الإحصائية عبر جميع العقود، سأستخدم الأرقام الرسمية المتاحة حين توجد، وأوضح حدودها حين لا توجد. 
جيل التأسيس وبناء الدولة
قاد جيل التأسيس ممثلًا أساسًا في المختار ولد داداه عملية بناء دولة جديدة خرجت من الاستعمار الفرنسي وهي تواجه ثلاث معضلات دفعةً واحدة: هشاشة الإدارة الحديثة، تنوعًا اجتماعيًا وإثنيًا ومناطقيًا واضحًا، ونزاعًا على الشرعية الخارجية والداخلية. وتُظهر المصادر أن داداه قدَّم نفسه رجلَ توحيد واعتدال، وأن هدفه الأول كان تثبيت وحدة البلاد أكثر من فتح المجال السياسي على تعددية واسعة؛ ولهذا بدأ النظام في صيغة شبه برلمانية ثم تحول سريعًا إلى رئاسية قوية، قبل أن يتبلور الحزب الواحد فعليًا في منتصف الستينيات. كان منطق التأسيس هنا يقول إن الدولة الوليدة تحتاج إلى مركز سياسي قوي قبل أن تتحمل تنافسًا حزبيًا مفتوحًا. وهذا المنطق لم يكن خاصًا بموريتانيا وحدها؛ فقد عرفته دول إفريقية مجاورة بعد الاستقلال، لكن موريتانيا جمعته بوزن اجتماعي كبير للقبيلة والوجهاء والشرعية الدينية. 
دستور 20 مايو 1961 منح الرئيس السلطة التنفيذية الكاملة، وجعل انتخابه بالاقتراع العام المباشر، وربط رئاسة الدولة بالإسلام، ونص على المساواة أمام القانون وتجريم الدعاية العرقية أو الإثنية. لكن تعديلات 1965 و1966 ذهبت أبعد: فقد اعترفت بـ حزب الشعب الموريتاني بوصفه الحزب الوحيد للدولة، ثم حصرت عمليًا الترشح للرئاسة في من يقدمه الحزب نفسه. بهذا المعنى، لم يكن جيل التأسيس معاديًا للمؤسسات؛ بل أسس مؤسسات فعلًا، لكنه صاغها على نحوٍ يغلّب الوحدة والانضباط على التنافس والتداول. وكانت النتيجة قيام دولةٍ موجودة، لكن بمجال سياسي ضيق. 
انتهت هذه المرحلة بانقلاب 10 يوليو 1978 على خلفية كلفة حرب الصحراء وأزماتها السياسية والاقتصادية. وهذه اللحظة كانت فاصلة: لأن المؤسسة العسكرية لم تدخل بعدها كفاعل عابر، بل كمرجعية حاكمة لزمن طويل، حتى حين لبست السلطة ثوبًا مدنيًا لاحقًا. 
المجتمع السياسي بين القبيلة والدين والنخبة والجيش
لفهم الديمقراطية في موريتانيا لا يكفي تحليل الدساتير، بل يجب فهم عقلية المجتمع السياسي. فالدراسات الأكاديمية تشير إلى أن القبيلة لم تختف مع الدولة الحديثة، بل أعادت التكيف معها. يلاحظ  أن الدمقرطة أطلقت ما يشبه “القبَلية المُسيَّسة”، وأن الزبونية والنيوباتريمونيالية تسربتا إلى المؤسسات الجديدة، وأن الأحزاب نفسها كثيرًا ما اشتغلت عبر الوساطة الاجتماعية لا عبر البرامج المجردة. وتشير دراسة عربية حديثة عن القوى الاجتماعية في موريتانيا إلى أن القبيلة والجهة والنخب الاقتصادية والعسكرية ظلت عناصر مؤثرة في صناعة القرار، خصوصًا قبل طور التعددية الحزبية وبعده أيضًا بدرجات مختلفة. 
هذا لا يعني أن المجتمع “قبلي فقط” أو أن الدين مجرد أداة سلطة. الأصح أن الإسلام في موريتانيا كان ولا يزال مصدرًا مهمًا للهوية والوحدة والشرعية الدستورية؛ فكل النصوص الدستورية الأساسية تقريبًا ربطت الدولة بالإسلام، وبعض المواثيق العسكرية — خصوصًا ميثاق 1985 — جعلت الشريعة المصدر الوحيد للقانون. لكن الدين في الممارسة السياسية لم يُلغ التعدد الاجتماعي، بل عمل أحيانًا كـ إطار جامع يخفف الاحتكاكات، وأحيانًا أخرى كـ حدٍّ على بعض مساحات الجدل السياسي والحقوقي. أما النخب، فقد بقيت منقسمة بين نخب إدارية مدنية، ووجهاء محليين، وضباط، وفاعلين دينيين وحقوقيين، وهو ما جعل الدولة تتقدم مؤسسيًا من فوق أكثر مما تتجذر ديمقراطيًا من أسفل. 
وأهم ما يميز عقلية المجتمع السياسي الموريتاني هو أن الوساطة ظلت أهم من “المواطنة المجردة” في قطاعات واسعة. فالوصول إلى الوظيفة، أو الحماية، أو النفوذ المحلي، أو التسوية مع الإدارة، جرى كثيرًا عبر الشبكات الاجتماعية والقبلية والمناطقية. لذلك فإن تبعية الناس للحاكم لم تقم فقط على الخوف، بل أيضًا على الحاجة إلى الوسيط: شيخ قبيلة، زعيم محلي، مسؤول إداري، أو حزب قريب من السلطة. وهذه نقطة تفسر لماذا لم تؤدِّ التعددية الشكلية وحدها إلى ديمقراطية متوازنة. 
المواثيق الدستورية وتحوّل المؤسسات
بعد انقلاب 1978 دخلت البلاد مرحلة اللجان العسكرية والمواثيق الانتقالية. وتُظهر المدونة الدستورية الموريتانية أن البلاد عرفت عدة مواثيق بين 1978 و1985، قبل أن يصدر الميثاق الدستوري لسنة 1985 في ظل اللجنة العسكرية للخلاص الوطني. هذا الميثاق لم يكن دستورًا ديمقراطيًا بالمعنى الكامل؛ بل كان إطارًا يمنح اللجنة العسكرية وظيفة السلطة العليا، مع الإبقاء على خطاب رسمي عن العودة المستقبلية إلى نظام مدني. المهم هنا أن موريتانيا لم تعرف فقط “تعليق الدستور”، بل عاشت دسترةً للحكم العسكري نفسه. 
التحول الكبير جاء مع دستور 1991 الذي أعاد تأسيس الجمهورية الثالثة: نص على أن الشعب مصدر كل سلطة، وعلى الاقتراع العام السري، وعلى فصلٍ نسبي للسلطات، وأنشأ البرلمان بغرفتين آنذاك، والمجلس الدستوري، ونص في ديباجته على التمسك بالإسلام وبمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كما صاغتها المواثيق الدولية والإفريقية. كان هذا نصًا أكثر حداثة واتساعًا من كل ما سبقه، لكنه ظل يضع الرئيس في مركز ثقيل داخل النظام. لذلك كانت المشكلة منذ البداية ليست غياب النص الديمقراطي، بل اختلال التطبيق وتفاوت موازين القوة. 
*الانتخابات بين الشرعية الإجرائية واختلال موازين القوة*
الانتخابات في موريتانيا مرت بثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، كانت موجودة لكن داخل الحزب الواحد، وبالتالي لم تكن تنافسية فعليًا. في المرحلة الثانية، منذ 1991، صارت تعددية من الناحية القانونية، لكن حكم معاوية ولد الطايع أبقاها محكومة بهيمنة السلطة التنفيذية وضعف تكافؤ الفرص، وهو ما جعل البعض يتحدث عن “انتقال مُدار” أكثر منه انتقالًا ديمقراطيًا مكتملًا. في المرحلة الثالثة، بعد انقلاب 2005، بدا أن الاقتراع بدأ يكتسب وزنًا سياسيًا أكبر. ففي انتخاب 2007 شارك 764,045 ناخبًا من أصل 1,132,877 مسجلًا، وفاز سيدي ولد الشيخ عبد الله في الشوط الثاني بنسبة 52.85%؛ وكانت تلك لحظة واعدة لأنها بدت أقرب انتخابات تنافسية حقيقية في تاريخ البلد الحديث آنذاك. 
لكن انقلاب 2008 أعاد التذكير بأن الصندوق وحده لا يكفي. وقد وصف بوبكر اندياي (2009) انتقال 2005–2008 بأنه كان أفضل فرصة لطي صفحة الحكم العسكري، لكنه أُجهض سريعًا بعودة العسكريين إلى مركز القرار. ومن هنا جاءت مفارقة موريتانيا: انتخابات دورية من جهة، واستمرار “حق الفيتو غير المكتوب” للمؤسسة العسكرية من جهة أخرى. مع ذلك لا يجوز إنكار التطور؛ فانتخابات 2019 أفضت إلى أول انتقال سلمي بين رئيسين منتخبين حين فاز محمد ولد الشيخ الغزواني بنسبة 52%، ثم أعيد انتخابه في 2024 بنسبة 56.12% وبمشاركة بلغت 55.39% وفق قرار المجلس الدستوري النهائي. هذا تطور مؤسسي مهم، لكنه لا يلغي ملاحظات المعارضة والحقوقيين على تكافؤ المنافسة وسياق الحريات. 
في الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية لسنة 2023 بلغت المشاركة 71.8% بحسب اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وأصبح عدد مقاعد الجمعية الوطنية 176 مقعدًا، مع تخصيص مقاعد وطنية للنساء والشباب وآليات لتمثيل ذوي الإعاقة. هذه الهندسة الانتخابية تُحسب للمسار المؤسسي لأنها وسعت التمثيل النسبي والاجتماعي. لكن في الوقت نفسه، سجّلت المعارضة شكاوى من “تزوير” و”اختلالات” ونفت اللجنة وجود خروقات مؤثرة، ما يعني أن المشكلة لم تعد في غياب الإطار الانتخابي، بل في الثقة السياسية وحياد الإدارة الانتخابية في عين الفاعلين المتنافسين. 
السلطة والمجتمع المدني وتبعية المحكوم
تبعية الشعب للحاكم في موريتانيا لا ينبغي تفسيرها أخلاقيًا على أنها “ميل شعبي للطاعة”، بل بنيويًا. فالسلطة اشتغلت تاريخيًا عبر ثلاثة مستويات متراكبة: الاحتكار الأمني والعسكري، والاسترضاء الزبوني عبر الوظيفة والوجهاء والخدمات، وإعادة إنتاج الوساطات الاجتماعية بدل استبدالها بمواطنة مؤسساتية مباشرة. لهذا ظلت الدولة قادرة على نيل الولاء أو تحييد المعارضة حتى حين اتسعت المشاركة الانتخابية. ومعنى ذلك أن الخضوع ليس دائمًا نتيجة القمع وحده، بل أيضًا نتيجة اعتماد الناس على شبكات النفوذ المحلية للوصول إلى الدولة أو الحماية منها.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في القمع. فقد نشأت في موريتانيا خلال العقود الأخيرة أشكال فعالة من المجتمع المدني، خاصة الحركات المناهضة للعبودية والتمييز، والتى لم تسلم فى دعايتها من بعض الإتهامات
والضغط عند ملامسة الملفات الحساسة. كما وثقت منظمات حقوقية توقيف ناشطين مناهضين للعبودية كما أنهما متهمين بالعنصرية ونشر دعاية التفريق، وسجّلت تقارير رسمية أمريكية قيودًا على حرية التعبير واعتقالات مرتبطة باحتجاجات ما بعد انتخابات 2024. لذا فالمجتمع المدني موجود ومؤثر، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى يفرض توازنًا كاملاً مع الدولة. 
الوضع الحالي وتقييم متوازن
حتى يونيو 2026 ما يزال النص المرجعي هو دستور 1991 المعدل حتى 2017، ويشغل محمد ولد الشيخ الغزواني رئاسة الجمهورية في ولايته الثانية التي بدأها رسميًا في 2 أغسطس 2024. الصورة الراهنة مختلطة: فمن جهة، توجد دورية انتخابية، ومجلس دستوري يعمل، وجمعية وطنية منتخبة، وتمثيل أوسع للنساء والشباب مقارنةً بالماضي، كما أن البلاد تجنبت موجة الانقلابات التي اجتاحت جزءًا من الساحل في العقد الحالي. ومن جهة أخرى، ما تزال الحريات السياسية والمدنية محدودة نسبيًا، وما تزال ملفات التمييز والعبودية وبُنية العدالة والتمثيل غير المتكافئ تضغط على صدقية الديمقراطية كمايدعى البعض.
وقد زادت محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ثم تشديد عقوبته إلى 15 سنة في 2025 من دلالة أن النظام السياسي يتحرك نحو مساءلة أكبر، لكن منتقديه رأوا أيضًا في الملف أثرًا للصراع داخل النخبة الحاكمة. وفي مايو 2026 حُكم على نائبتين معارضتين بالسجن أربع سنوات بسبب منشورات مسيئة لشخص الرئيس ورموز الدولة ومذكية العنصرية ، وهو مؤشر على أن مساحة المعارضة العلنية ما تزال قابلة للانكماش.

في المقارنة الإقليمية، تبدو موريتانيا أكثر استقرارًا مؤسسيًا من مالي والنيجر في السنوات الأخيرة، لكنها لم تبلغ رسوخ السنغال الذي قام على تعددية أقدم ومؤسسات مدنية أمتن. وهذا يعني أن التحدي الموريتاني ليس غياب الدولة، بل كيفية تحويل الدولة القائمة إلى دولة سياسية محايدة نسبيًا: دولة لا تلغي الدين والقبيلة والجهة من المجتمع، لكنها تمنعها من ابتلاع المواطنة والمؤسسات. وبصياغة أدق، فإن الديمقراطية في موريتانيا تقدمت حين قُيِّدت الرئاسة واحتُرمت النتائج نسبيًا، وتراجعت كلما عاد منطق “الحَكم فوق السياسة” أو “الدستور حسب مقتضى اللحظة”. لذلك فالتقييم المتوازن هو أن البلاد قطعت شوطًا حقيقيًا من شرعية الانقلاب إلى شرعية الاقتراع، لكنها لم تحسم بعد الانتقال من اقتراع مضبوط إلى ديمقراطية متوازنة مكتملة.

Image
mrtel