تيرس الزمور... حين يلتقي معدن الأرض بنور السماء/أبي ولد معاذ

Image
chinguitel
التاريخ 22 June 2026 آخر تحديث 22 June 2026

ليست الأوطان بما تختزنه أرضها من ثروات فحسب، وإنما بما تختزنه قلوب أهلها من إيمان، وما تحتضنه من قيم، وما تحفظه من ميراث العلم والهدى. وقد شاء الله أن تكون ولاية تيرس الزمور من تلك البقاع التي اجتمع لها جلال المكان وسمو التاريخ وكرم الإنسان؛ أرضٌ تمتد في الأفق امتداد الحلم، وتنتصب فوق رمالها وجبالها شواهد الصبر والعزة والكبرياء.
وفي هذه الربوع البعيدة من خارطة الجغرافيا، القريبة من وجدان الوطن، حط مجلس إدارة معهد الإمام ورش لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية رحاله، لا بوصفه وفدًا إداريًا يؤدي مهمة عابرة، بل بوصفه حامل رسالة، ووارث أمانة، وسفير مشروع قرآني آمن أصحابه بأن الخير لا يكتمل حتى يبلغ الجميع، وأن نور القرآن لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المدن الكبرى أو المراكز الحضرية، بل يجب أن يسري في عروق الوطن كله كما يسري الدم في الجسد الواحد.
لقد كانت هذه الرحلة امتدادًا طبيعيًا لرؤية راسخة انتهجها المعهد منذ تأسيسه؛ رؤية تجعل القرآن الكريم حقًا مشاعًا لكل أبناء الوطن، وتجعل من نشر العلم الشرعي مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن تكون نشاطًا مؤسسيًا. ولذلك لم يكن المعهد ينظر إلى إينشيري وآدرار وتيرس الزمور بوصفها أطرافًا بعيدة، وإنما بوصفها قلبًا من قلوب الوطن يستحق أن تصله عناية الدولة وجهود العلماء ورسالة القرآن.
ومن يتأمل مسيرة المعهد خلال السنوات الأخيرة يدرك أنه لم يكتف بإنشاء الفروع وإقامة الحلقات وتنظيم المسابقات، بل خاض معركة بناء الإنسان في زمن تتزاحم فيه التحديات الفكرية والثقافية، فحمل القرآن إلى حيث قلّت الوسائل، وربط الناشئة بكتاب ربهم في زمن كثرت فيه أسباب الانقطاع، وأعاد الاعتبار لمجالس العلم الشرعي في أماكن كانت الحاجة فيها إلى مثل هذه المشاريع أشد من حاجتها إلى كثير من مظاهر العمران الأخرى.
ولعل أعظم ما كشفت عنه هذه الرحلة أن أرض تيرس الزمور، التي اشتهرت بما أودع الله في باطنها من كنوز المعادن والثروات، تخبئ في ظاهرها كنزًا أثمن وأبقى؛ هو معدن أهلها أنفسهم. فقد جاءت الاستقبالات التي حظيت بها بعثة المعهد معبرة عن أصالة متجذرة، وعن محبة صادقة للقرآن وأهله، وعن وفاء راسخ للقيم التي نشأت عليها هذه البلاد منذ قرون.
كان الترحيب أكبر من واجب الضيافة، وكانت الحفاوة أبلغ من كلمات الاستقبال، لأن ما بدا في الوجوه والقلوب لم يكن مجرد استقبال لمؤسسة، وإنما احتفاء برسالة، وإكرامًا لكتاب الله، وتقديرًا لمن نذروا أنفسهم لخدمته وتعليمه. وكان للرجلين الفاضلين عضوي مجلس الإدارة الأخ النائب خداد المختار ورجل الأعمال أحمدا المعزوز الدور الرائد فى رحلة تيرس ودخول منطقة الشمال بصفة عامة.
كما برهنت النخب الاقتصادية ورجال الأعمال في الولاية على وعي راقٍ بحقيقة المسؤولية الاجتماعية، حين أظهروا من التجاوب والاستعداد للمؤازرة والدعم ما يعكس إدراكهم أن الثروة الحقيقية لا تقاس بما يخرج من الأرض من معادن، بل بما يدخل إلى القلوب من هداية، وما يستقر في العقول من علم، وما يُغرس في الأجيال من قيم الإيمان والاستقامة. وهكذا التقت في تيرس الزمور ثروة الأرض بثروة الإنسان، والتقت بركة المال بنور القرآن في مشهد يبعث الأمل ويجدد الثقة في مستقبل هذا الوطن.
وإذا كان لأهل تيرس الزمور فضل الحفاوة وصدق الاستقبال، فإن من الواجب الإشادة بما أبدته السلطات الإدارية في الولاية من تعاون كريم وتسهيلات مقدرة ومواكبة مسؤولة لأنشطة المعهد وبرامجه. فقد جسد والي تيرس الزمور والسلطات الإدارية والأمنية والمنتخبون المحليون نموذجًا مشرفًا للإدارة الوطنية الواعية برسالتها، المدركة لأهمية العلم الشرعي ودوره في تعزيز السلم الاجتماعي وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال.
ولم يكن هذا التعاون وليد ظرف عابر، بل هو انعكاس لنهج وطني متكامل جعل من خدمة العلم والعناية بالقرآن والعلماء خيارًا استراتيجيًا للدولة الموريتانية، تحت القيادة الرشيدة لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي ما فتئ يؤكد في مختلف المناسبات مكانة المحظرة والعلم الشرعي في البناء الوطني، ويولي المؤسسات العلمية والقرآنية ما تستحقه من رعاية واهتمام.
لقد أدركت القيادة الوطنية أن موريتانيا لا تحافظ على خصوصيتها الحضارية إلا إذا ظلت وفية لرسالتها التاريخية؛ رسالة العلم والقرآن والمحظرة. ومن هنا جاء الدعم المتواصل للمؤسسات العلمية، وتهيئة الظروف المناسبة لعملها، وتشجيع المبادرات الهادفة إلى تحصين الأجيال وربطها بثوابتها الدينية والثقافية.
وفي هذا السياق يبرز معهد الإمام ورش باعتباره واحدًا من أنجح النماذج الوطنية التي ترجمت هذه الرؤية إلى واقع ملموس. فهو لا يرفع شعار خدمة القرآن فحسب، بل يحوله إلى برامج ومشاريع ومؤسسات ونتائج يشهد بها القاصي والداني، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.
إن رحلة مجلس إدارة المعهد إلى تيرس الزمور لم تكن مجرد محطة في برنامج عمل، بل كانت شهادة حية على أن القرآن ما يزال قادرًا على جمع القلوب، وأن الخير ما يزال متجذرًا في هذه الأرض المباركة، وأن أهل موريتانيا، مهما تباعدت بهم المسافات، يجتمعون حول كتاب الله كما تجتمع النجوم حول القمر في الليلة البدراء.
وهكذا يعود الوفد وقد ازداد يقينًا بأن الرسالة التي يحملها أكبر من حدود مؤسسة، وأبقى من حدود زمن، وأن المستقبل الذي يُبنى بالقرآن هو المستقبل الأجدر بالبقاء. ويعود أهل تيرس وقد سجلوا صفحة جديدة من صفحات الوفاء للعلم وأهله، وأكدوا مرة أخرى أن هذه الأرض التي أكرمها الله بكنوز المعادن، أكرمها قبل ذلك وبعده برجال ونساء إذا ذُكر القرآن انشرحت صدورهم، وإذا دُعي الخير لبّوا، وإذا نادى الواجب كانوا في مقدمة الصفوف.
وما بين نور القرآن الذي حمله معهد الإمام ورش، ومعدن الوفاء الذي أظهره أهل تيرس الزمور، تتجدد الثقة في أن موريتانيا ستظل ـ بإذن الله ـ أرض المحظرة والقرآن، ومنارة للعلم والاعتدال، وحصنًا منيعًا لقيم الإسلام في هذه الربوع من العالم.
 *أبى بن معاذ*

Image
mrtel