العفو في جوهره قيمة إنسانية رفيعة، وهو من المعاني التي تعكس قدرة الدولة والمجتمع على تجاوز الجراح عندما تقتضي المصلحة ذلك، لكنه في الوقت نفسه يظل قرارًا يحتاج إلى حكمة وتقدير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات ارتبطت بأحداث مؤلمة وأرواح فقدت أصحابها.
إن العفو عن تسعة ممن ارتبطت أسماؤهم بجرائم خطيرة، والذين جرى تداول تسميتهم إعلاميًا بـ”السلفيين”، يفتح بطبيعته نقاشًا واسعًا، خاصة لدى أصحاب الدم الذين يحملون ألم الفقد ولا ينظرون إلى القضية من زاوية الإجراءات فقط، بل من زاوية الجرح الإنساني العميق الذي تركته تلك الأحداث.
غير أن الدولة عندما تتخذ مثل هذه القرارات لا تنطلق من شعور عابر أو من تجاهل للضحايا، وإنما من تقدير شامل لمقتضيات الأمن والاستقرار والمصلحة العامة. فالعفو، حين يأتي في إطار رؤية مدروسة، لا يعني تبرير الجريمة أو طمس آثارها، بل قد يكون جزءًا من مقاربة أمنية متكاملة تهدف إلى حماية المجتمع وإدارة الملفات المعقدة بحكمة ومسؤولية.
وهنا تظهر أهمية المقاربة التي اعتمدها رئيس الجمهورية في إدارة الملفات الأمنية، حيث جمعت بين الحزم في مواجهة التهديدات، والقدرة على فتح مساحات للمعالجة الهادئة عندما تقتضي الظروف ذلك. فنجاح السياسات الأمنية لا يقاس فقط بقدرتها على مواجهة الخطر، وإنما كذلك بقدرتها على منع تكراره وبناء بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا.
أما تأطير العلماء لهذا الموضوع، فلم يكن منطلقه الدفاع عن الأفعال المرتكبة أو التقليل من شأن معاناة المتضررين، وإنما جاء - كما يُفهم من دورهم - من زاوية ما يقتضيه الشرع من بيان الأحكام والمعاني المرتبطة بالعفو والرحمة وإصلاح ذات البين، مع بقاء حقيقة أن الجرائم لا تُمحى بمجرد تغيير العناوين، وأن المسؤولية عن الأفعال تبقى قائمة.
فالعالم حين يتحدث في مثل هذه القضايا لا يُنتظر منه أن يلغي حق الضحايا، كما لا يُفترض أن يُفهم خطابه وكأنه تجاوز للعدالة، بل أن يوضح ما يراه من أحكام ومقاصد، تاركًا للدولة مسؤولية تقدير المصلحة العامة وإدارة شؤونها بما يحفظ أمن المجتمع.
في النهاية، الحكمة السياسية والأمنية تقوم على معرفة متى يكون الحزم ضرورة، ومتى يكون العفو أداة من أدوات الاستقرار. فالدولة التي تمتلك الثقة في نفسها هي التي تستطيع أن تجمع بين قوة الردع وسعة الحكمة، وبين حفظ هيبة العدالة وفتح أبواب الإصلاح.
محمد احظانه