مع اقتراب امتحانات البكالوريا، يدخل آلاف التلاميذ مرحلة تُعد من أهم المحطات في مسارهم الدراسي، ليس لأنها تحدد مستقبلهم العلمي فحسب، بل لأنها تمثل أيضًا اختبارًا لقدرتهم على إدارة الوقت، والتحكم في الضغوط النفسية، وترجمة سنوات من الاجتهاد إلى أداء متوازن داخل قاعة الامتحان.
ومن منظور تربوي، فإن النجاح في البكالوريا لا يرتبط فقط بحجم المعلومات التي يمتلكها المترشح، بل يعتمد كذلك على عوامل نفسية وسلوكية وتنظيمية لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي. فكثيرًا ما يكون الفرق بين مترشحين متقاربين في المستوى هو حسن إدارة الامتحان، والثقة بالنفس، والقدرة على التركيز.
ومن هنا، فإن أول ما ينبغي أن يحرص عليه المترشح هو الإعداد النفسي، فالتوتر المفرط والقلق لا يصنعان النجاح، بل قد يحولان دون استثمار المعارف المكتسبة. إن الثقة بالنفس، مع التوكل على الله، والاقتناع بأن الامتحان محطة عادية في مسار الحياة، عوامل تساعد على تحسين الأداء واستحضار المعلومات بصورة أفضل.
كما أن النوم الكافي والتغذية المتوازنة والوصول المبكر إلى مركز الامتحان عناصر أساسية في تحقيق الاستقرار الذهني. فالطالب الذي يدخل قاعة الامتحان في حالة من الهدوء يكون أكثر قدرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار الصحيح عند الإجابة.
وعند استلام ورقة الأسئلة، ينبغي قراءة الموضوع قراءة متأنية، وفهم المطلوب بدقة قبل الشروع في الإجابة، مع حسن توزيع الوقت بين مختلف الأسئلة، والبدء بما يجيده المترشح لتعزيز ثقته بنفسه، ثم الانتقال تدريجيًا إلى بقية الأسئلة دون التوقف طويلًا أمام سؤال واحد.
ومن المهم كذلك أن يدرك المترشح أن الخط الواضح، والتنظيم الجيد للإجابة، والالتزام بالتعليمات، تعكس شخصية علمية منضبطة، وتسهل على المصحح متابعة الأفكار وتقويمها.
وفي المقابل، يبقى الغش أخطر ما يمكن أن يهدد مستقبل المترشح. فهو لا يمثل مخالفة قانونية فحسب، بل يتعارض مع القيم التربوية والأخلاقية التي تقوم عليها المدرسة، ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق. إن النجاح الحقيقي هو ثمرة الجهد والاجتهاد، أما النجاح القائم على الغش فلا يصنع كفاءة، ولا يبني مستقبلًا.
ولا تقل مسؤولية الأسرة أهمية عن مسؤولية المدرسة في هذه المرحلة؛ فالدعم النفسي، وتوفير الأجواء المناسبة للمراجعة، والابتعاد عن الضغوط والمقارنات، كلها عوامل تمنح المترشح شعورًا بالأمان والثقة.
إن البكالوريا ليست نهاية الطريق، وإنما هي بداية مرحلة جديدة من التعلم وبناء الذات. ومن ثم، فإن أفضل ما يمكن أن يحمله المترشح معه إلى قاعة الامتحان هو العلم، والثقة، والانضباط، والإيمان بأن لكل مجتهد نصيبًا.
إلى جميع مترشحي البكالوريا: ثقوا في ما بذلتموه من جهد، وتحلوا بالهدوء، واحرصوا على النزاهة، واجعلوا الاستحقاق عنوان نجاحكم. فالأوطان تُبنى بالكفاءات، والكفاءة لا تُصنع إلا بالعلم والعمل والأمانة.
الشيخ أحمد الشيباني
خبير تربوي