مع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية الموريتانية عن مستقبل الحكومة وإمكانات التغيير المرتقب، تتجه الأنظار إلى منصب الوزير الأول، باعتباره أحد أبرز المناصب التي قد تعكس طبيعة المرحلة المقبلة وأولوياتها السياسية.
وفي ظل غياب إعلان رسمي بشأن أي تغيير، تبرز عدة أسماء في دائرة التداول، من بينها شخصيات ذات تجربة حكومية وسياسية طويلة، وأخرى ذات مسارات دبلوماسية وإدارية، وهو ما يجعل السباق المحتمل مفتوحاً على أكثر من سيناريو.
وتبرز أربعة أسماء بشكل خاص: مولاي ولد محمد لغظف، سيداتي الشيخ ولد أحمد عيشه، سيدي محمد ولد بوبكر، ومحمد ولد اسويدات.
مولاي ولد محمد لغظف.. خبرة الوزير الأول وورقة الشرق
يبدو اسم مولاي ولد محمد لغظف من أكثر الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن منصب الوزير الأول، بالنظر إلى تجربته الطويلة في رئاسة الحكومة، وإلى معرفته العميقة بمختلف مكونات المجتمع الموريتاني ودوائر النخبة السياسية والفكرية.
فقد تولى ولد محمد لغظف رئاسة الحكومة عدة مرات، كما شغل لاحقاً منصب الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو موقع يعكس مستوى الثقة التي حظي بها داخل مؤسسة الرئاسة. وتشير سيرته المنشورة إلى أنه ظل في منصب الأمين العام للرئاسة حتى السنوات الأخيرة، وجددت له الثقة فيه سنة 2024.
وتمنحه هذه التجربة أفضلية واضحة: فهو لا يحتاج إلى وقت طويل للتأقلم مع إدارة الحكومة، ويعرف آليات العمل داخل الجهاز التنفيذي، كما يمتلك شبكة علاقات سياسية واجتماعية واسعة.
وفوق ذلك، فإن انحداره من الحوض الشرقي قد يمثل عاملاً إضافياً في حسابات التوازن الجهوي، خصوصاً إذا كان الاتجاه هو منح المنصب لشخصية من الشرق.
وبالتالي، فإن طرح ولد محمد لغظف لا يستند فقط إلى تجربة سابقة، وإنما إلى مزيج من الخبرة الحكومية، والقرب من دوائر القرار، والمعرفة بالمجتمع، والامتداد الجهوي.
سيداتي الشيخ ولد أحمد عيشه..
الدبلوماسي الذي يطرح خياراً مختلفاً
في المقابل، يقدم اسم السفير السابق سيداتي الشيخ ولد أحمد عيشه نموذجاً مختلفاً عن الأسماء التقليدية المتداولة لرئاسة الحكومة.
فالرجل يمتلك مساراً دبلوماسياً طويلاً، شمل عدداً من المحطات الإفريقية والأوروبية والأمريكية والآسيوية، وهو ما يمنحه تجربة واسعة في التعامل مع المؤسسات والدول والمجتمعات المختلفة.
كما أن تكوينه الأكاديمي وإتقانه لعدة لغات، إلى جانب تجربته في العمل الدبلوماسي، يمكن أن يجعلاه خياراً مناسباً إذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب إعطاء وزن أكبر للكفاءة الإدارية والدبلوماسية والانفتاح الخارجي.
وتبرز في حالته أيضاً مسألة الانتماء إلى أترارزه، وبوتلميت تحديداً، باعتبارها عاملاً يمكن أن يدخل في الحسابات الجهوية، مع ما يقال عن قدرته على التحرك داخل أكثر من مكوّن اجتماعي في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك حضوره في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة ودوره السياسي في دعم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهي عوامل قد تمنح اسمه وزناً في حسابات الثقة والولاء السياسي.
وفي حال اختير هذا السيناريو، فإن تعيين ولد أحمد عيشه سيكون أقرب إلى اختيار شخصية ذات خلفية دبلوماسية وخبرة دولية لرئاسة الجهاز التنفيذي، وهو خيار مختلف عن إعادة تدوير شخصية حكومية تقليدية.
سيدي محمد ولد بوبكر.. عودة رجل الدولة
أما سيدي محمد ولد بوبكر، فيمثل خياراً آخر له وزنه، بالنظر إلى تجربته الطويلة في الدولة، وترؤسه الحكومة في فترتين مختلفتين.
وتكمن قوة هذا الاسم في أن الرجل لا يدخل دائرة الترشيحات باعتباره وزيراً سابقاً فقط، بل باعتباره رجل دولة سبق أن قاد الحكومة في ظروف سياسية استثنائية، وكان رئيساً للوزراء خلال المرحلة الانتقالية التي قادت إلى انتخاب رئيس مدني.
كما أن تجربته في العمل الإداري والسياسي، إلى جانب ترشحه سابقاً للانتخابات الرئاسية وحصوله على نتيجة معتبرة، تمنحه حضوراً سياسياً يتجاوز حدود التكنوقراط.
ومن الناحية الجهوية، فإن انحداره من ولاية لبراكنه لا يشكل بالضرورة عائقاً أمام اختياره، خصوصاً إذا كانت الأولوية في الحساب الرئاسي هي للكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة المرحلة، بعيداً عن قاعدة التناوب الجهوي التقليدية.
وقد يكون اختيار ولد بوبكر، في حال حدوثه، بمثابة استدعاء لخبرة رجل دولة مجرب إلى واجهة المشهد التنفيذي.
محمد ولد اسويدات.. خيار سياسي من الجيل الحكومي
أما محمد ولد اسويدات، فيمثل مساراً مختلفاً نسبياً، فهو يجمع بين العمل الإداري والخبرة الحكومية والحضور السياسي.
وتشير سيرته المنشورة إلى أنه من مواليد ألاك، ويحمل تكويناً في الإدارة العمومية، وبدأ مساره المهني في المؤسسات العمومية قبل أن يتدرج في عدد من المسؤوليات الإدارية.
كما شغل لاحقاً حقائب وزارية، وهو ما منحه خبرة مباشرة في العمل الحكومي والتعامل مع الملفات التنفيذية.
وتأتي أهمية ترشيحه من كونه يمكن أن يجمع بين الانتماء إلى لبراكنه، والحضور السياسي، والتجربة الحكومية، والقدرة على التواصل مع قواعد شعبية في الداخل ونواكشوط.
وفي حال اختياره، فقد يُقرأ القرار باعتباره توجهاً نحو ضخ دماء سياسية جديدة نسبياً في قيادة الحكومة، مع الاحتفاظ بخبرة عملية داخل الجهاز التنفيذي.
أربعة أسماء.. وأربعة سيناريوهات
ويكشف استعراض هذه الأسماء أن المسألة لا تتعلق فقط بمن هو الأكثر كفاءة، وإنما بـأي نوع من الحكومات تريد الرئاسة للمرحلة المقبلة.
فإذا كانت الأولوية للخبرة الحكومية والعلاقة الطويلة مع دوائر الدولة، فإن مولاي ولد محمد لغظف يبدو من أكثر الأسماء انسجاماً مع هذا الخيار.
وإذا كان المطلوب شخصية ذات خلفية دبلوماسية واسعة وحضور اجتماعي وسياسي مختلف، فإن سيداتي الشيخ ولد أحمد عيشه يبرز كخيار قابل للنقاش بقوة.
أما إذا كان الهدف استدعاء رجل دولة ذي تجربة سياسية وحكومية عميقة، فإن سيدي محمد ولد بوبكر يظل اسماً ثقيلاً.
وفي حال كان التوجه نحو شخصية تجمع بين العمل الحكومي والحضور السياسي والامتداد الشعبي، فإن محمد ولد اسويدات يدخل المنافسة من هذه الزاوية.
وفي جميع الأحوال، تبقى هذه الترشيحات في إطار التداول والتحليل السياسي، ولا تعني وجود قرار محسوم، خصوصاً أن اختيار الوزير الأول في النظام السياسي الموريتاني يظل في النهاية قراراً رئاسياً تحكمه اعتبارات متعددة، بعضها معلن وكثير منها يرتبط بحسابات الثقة والتوازن والمرحلة السياسية.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيصبح الوزير الأول؟ بل أيضاً: أي رسالة سياسية يريد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إرسالها من خلال الشخص الذي سيختاره لقيادة الحكومة؟