ليست قيمة الرجال فيما يرفعون من الشعارات، ولا فيما يطلقون من الوعود والخطب، وإنما تُقاس قيمتهم بما يتركونه من أثر في حياة الناس، وما يزرعونه من خير في الأرض، وما يقدّمونه من نفع للساكنة التي يعيشون بينها. فالأعمال هي اللغة التي يفهمها الجميع، وهي الشاهد الذي لا يكذب، وهي التاريخ الذي يبقى حين تتلاشى الكلمات.
ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الأخ الفاضل إسلك ولد حيد في مقاطعة جيكني بوصفها نموذجًا جديرًا بالتأمل، لأنها قامت على ثقافة العطاء وخدمة المجتمع، لا على البحث عن الأضواء أو صناعة الأمجاد الشخصية. فقد أدرك أن خدمة الناس ليست موسمًا عابرًا، بل رسالة مستمرة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.
ولعل مشروع "ورش" كان من أبرز المحطات التي تجسدت فيها هذه الرؤية. فمنذ انطلاقته لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل تحول إلى منارة للعلم والتكوين والتأهيل، فتخرجت منه أجيال من الشباب، وتفتحت أمامهم آفاق التعلم والعمل، واستفادت منه أسر وقرى وتجمعات سكانية امتد نفعها شرق المقاطعة وغربها. ولم يكن هذا النفع حكرًا على فئة دون أخرى، ولا على قبيلة دون غيرها، بل شمل الجميع دون تمييز أو اعتبار إلا معيار الاستحقاق وخدمة المجتمع.
إن أعظم ما يميز الأعمال النافعة أنها تتجاوز حدود أصحابها، فتتحول إلى نور يسري في حياة الناس، وهذا ما حدث مع مشروع ورش الذي أسهم في نشر المعرفة، وفتح أبواب الأمل أمام مئات الشباب، ورسّخ ثقافة الاعتماد على الكفاءة والعمل بدل الاتكال والانتظار.
غير أن مسيرة العطاء لم تتوقف عند التعليم والتكوين، بل امتدت إلى ميادين أكثر التصاقًا بحاجات الناس اليومية، فكانت القوافل الصحية التي دأب إسلك ولد حيد على تنسيقها واستجلابها إلى المقاطعة، واضعًا صحة المواطنين ومعاناتهم في صدارة اهتماماته. وقد شكّلت هذه القوافل متنفسًا حقيقيًا للفئات الهشة والمحتاجين، خصوصًا في مجال طب العيون الذي يعاني كثير من سكان المناطق الريفية من صعوبة الوصول إلى خدماته.
وقد اختتمت اليوم أعمال القافلة الطبية الثالثة، بعد أن حققت نتائج إنسانية بالغة الأثر، حيث أُجريت مائة وسبع وثلاثون عملية جراحية ناجحة لمرضى العيون من الرجال والنساء، ومن الشيوخ والشباب، ممن أثقلتهم سنوات العمى وضعف البصر. وفي قصص هؤلاء المرضى ما يختصر قيمة هذا العمل كله؛ فبينهم من يقول إنه يرى أبناءه وأحفاده للمرة الأولى رؤية واضحة بعد سنوات طويلة من الحرمان، وبينهم من عاد إليه نور الحياة بعدما كاد يفقد الأمل في ذلك.
بمامجموعه من العمليات فى القوافل الثلاث مايقارب ألف عملية وآلاف الإستشارات الطبية أن
وهنا تتجلى المفارقة الجميلة بين من ينشغل بخدمة الناس، ومن ينشغل بالحديث عن خدمتهم. فالأول يترك أثرًا ملموسًا يراه الناس في مدارسهم ومستشفياتهم وحياتهم اليومية، بينما يظل أثر الآخر حبيس الشعارات والمواقف العابرة. وليس المقصود من ذلك الانتقاص من أحد، فلكل إنسان طريقه وأسلوبه، غير أن المجتمعات لا تتقدم بالكلام وحده، وإنما تتقدم حين يتحول الكلام إلى مشاريع، والوعود إلى إنجازات، والنوايا الحسنة إلى أعمال نافعة.
لقد نجح إسلك ولد حيد في أن يحارب نوعين من العمى في آن واحد: عمى البصر الذي أزالته العمليات الجراحية والقوافل الطبية عن أعين مئات المواطنين، وعمى البصيرة الذي يتجلى في اليأس والإحباط والشعور بالتهميش، حين أعاد للناس الثقة بأن في المجتمع رجالًا ما زالوا يؤمنون بأن خدمة الساكنة شرف ومسؤولية، وأن الخير إذا خلصت النية فيه اتسعت دوائره وعمت بركته.
وإذا كان التاريخ المحلي لا يحتفظ إلا بأصحاب الأثر، فإن ما يبقى من الإنسان ليس ما قاله عن نفسه، وإنما ما يقوله الناس عنه بعد أن يرحل. أما المشاريع النافعة، والعيون التي عاد إليها النور، والشباب الذين وجدوا طريقهم إلى العلم والعمل، فهي شهادات حية لا تحتاج إلى من يدافع عنها أو يزينها.
وهكذا تظل خدمة الناس أرفع أبواب المجد، ويظل العمل الخيري الصادق هو الاستثمار الذي لا يخسر صاحبه، لأنه يترك أثره في الأرض، ويجد جزاءه عند الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.
*أبى بن معاذ*