قبل أيام أعلن رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني عفوا رئاسيا عن عدد من المدانين في قضايا الإرهاب، بعد أن أظهروا توبتهم وتراجعهم عن أفكار الغلو والتكفير والعنف وقد مثل ذلك حلقة جديدة في سياسة انتهجتها بلادنا منذ سنوات، تقوم على الجمع بين الحزم الأمني والانفتاح على المراجعات الفكرية، وإتاحة الفرصة لمن يثبت صدق توبته للاندماج في المجتمع.
إن هذه المقاربة فضلا على أنها إجراء قانوني وأمني، فإنها مع ذلك تعكس فهما عميقا لطبيعة الإرهاب نفسه، ذلك أن الإرهاب يبدأ كفكرة قبل أن يصبح تنظيما، وينشأ من تأويل منحرف قبل أن يتحول إلى سلاح، ولذلك فإن تفكيك الفكرة هو المدخل الأكثر استدامة لتجفيف منابع التطرف.
لقد أدركت بلادنا أن المواجهة الأمنية، مهما بلغت قوتها فإنها لن تستطيع وحدها أن تمنع إعادة إنتاج الفكر المتطرف، ومن هنا جاء الاستثمار في الحوار العلمي، وتصحيح المفاهيم، وإفساح المجال أمام المراجعات العقدية والفكرية التي قادت عددا من المنتمين إلى التيارات المتشددة إلى إعلان توبتهم والعدول عن أفكارهم.
وقد استندت هذه الاستراتيجية إلى مدرسة علمية راسخة تؤمن بأن الإقناع مقدم على الإكراه، وأن بناء الإنسان أهم من الاكتفاء بمعاقبته، وأن المقاصد الكبرى للشريعة تجعل حفظ النفس، وحفظ المجتمع، وتحصين الأوطان من الفتن أولويات لا يجوز التفريط فيها، وفي هذا السياق تتنزل رؤية وفكر العلامة المجدد الشيخ عبد الله بن بيه بوصفه أحد أبرز المشاريع الفكرية الإسلامية المعاصرة التي أعادت الاعتبار لفقه السلم، وفقه المآلات، وفقه المصالح، وقدمت قراءة عميقة للنصوص الشرعية تراعي مقاصدها الكلية، وتتصدى للتأويلات التي اتخذتها الجماعات المتطرفة ذريعة لإضفاء الشرعية على العنف والفوضى وسفك الدماء.
لقد بنى الشيخ عبد الله بن بيه مشروعه الفكري على قناعة راسخة بأن السلام هو مقصد شرعي أصيل، وأن المحافظة على استقرار المجتمعات ووحدة الدول من أعظم الواجبات الشرعية، وأن الفوضى بوابة لانتشار الظلم الأكبر والتطرف الماحق وانهيار الدول وتلاشي المجتمعات، ولم يبق هذا المشروع حبيس الكتب والمحاضرات، بل وجد ترجمته العملية في أعمال منتدى أبوظبي للسلم، الذي أصبح خلال سنوات قليلة منصة دولية تجمع العلماء والمفكرين وصناع القرار للبحث عن حلول فكرية وأخلاقية للصراعات، ونشر ثقافة الحوار والتعايش، وتطوير خطاب ديني قادر على مواجهة التطرف من جذوره.
لقد استطاع المنتدى أن ينقل النقاش من السؤال: كيف نحارب الإرهاب؟ إلى سؤال أكثر عمقا وهو: كيف نمنع صناعة الإرهاب أصلا؟ وهذا التحول يمثل نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي؛ ذلك أن الانتصار الحقيقي إنما يتحقق فقط عندما يتم منع تشكل الأفكار التي تقود إليها.
ومن يتأمل ما شهدته المنطقة العربية خلال العقد الماضي يدرك أهمية هذا المنهج، فقد رفعت بعض المشاريع شعارات التغيير السريع، لكنها في عدد من البلدان أفضت إلى انهيار مؤسسات الدولة، واتساع دوائر العنف، ووجدت التنظيمات المتطرفة بيئات مناسبة للتمدد، وفي المقابل، برزت مقاربات أخرى أعطت الأولوية لحماية الدولة، وترسيخ الاستقرار، وتجديد الخطاب الديني، والحوار الفكري، فحققت نتائج لافتة في الحد من انتشار التطرف، مع اختلاف ظروف كل دولة وسياقها.
وليس المقصود بذلك أن المراجعات الفكرية وحدها تكفي، فمكافحة الإرهاب عملية مركبة تتطلب منظومة متكاملة تشمل الأمن، والقضاء، والتعليم، والتنمية، والإعلام، والخطاب الديني الرشيد، لكن التجربة أثبتت كذلك أن إهمال البعد الفكري يجعل كل انتصار أمني معرضا لأن يكون انتصارا مؤقتا، لأن الفكرة إذا بقيت حية ستجد من يحملها من جديد.
ومن هنا يمكن فهم دلالة العفو الرئاسي الأخير، على أنه فرصة في تجسيد قدرة الإنسان على المراجعة والتغيير، عندما تقترن التوبة الصادقة بالحوار العلمي الرصين، وتثبت بالأفعال قبل الأقوال والدول التي تبني أمنها على الخوف وحده قد تنجح في إسكات الأصوات لفترة، أما الدول التي تبني أمنها على تصحيح الأفكار، وترسيخ الاعتدال، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته، فإنها تؤسس لاستقرار أكثر رسوخا وأطول عمرا.
وفي عالم تتعدد فيه أشكال التطرف وتتغير باستمرار، تظل الحاجة قائمة إلى دعم المشاريع الفكرية الرصينة، وفي مقدمتها المشروع الذي يقوده معالي الشيخ عبد الله بن بيه، ويعمل منتدى أبوظبي للسلم على نشره وترسيخه؛ فهو مشروع يستهدف العقل قبل الجسد، ويقنع بدل أن يقهر، مشروع ينطلق من قيم الإسلام في الرحمة والعدل والحكمة ويؤمن بأن السلام هو رسالة حضارية ومسؤولية شرعية، وأن انتصار الكلمة الصادقة على الرصاصة هو الانتصار الذي يدوم، لأنه يبني الإنسان ويحمي الأوطان ويصون المستقبل.