*حين يترك المرء بيته للقرآن :*

Image
chinguitel
التاريخ 02 July 2026 آخر تحديث 02 July 2026

ليست صور البذل والعطاء سواء؛ فكم من محسنٍ أنفق من فائض ماله، وكم من كريمٍ جاد بما يملك، غير أن من أسمى مراتب الإنفاق وأعلاها أن يهب الإنسان ما تعلقت به نفسه، وأن يجعل أحب ممتلكاته وقفًا على كتاب الله وأهله.
ومن هنا يكتسب المشهد الذي صنعه رئيس البرلمان السابق الشيخ ولد بايه دلالته العميقة؛ إذ غادر منزله تاركًا إياه بما فيه من مقتنيات وتجهيزات لصالح القرآن وطلابه، مسلِّمًا مفاتيحه وأوراقه لإدارة معهد ورش، في صورة نادرة تستحضر تضحيات الرعيل الأول من هذه الأمة، يوم كانت محبة القرآن تغلب محبة الدور والأموال، وكانت خدمة العلم أشرف ما تُبذل له النفائس.
إنها رسالة بليغة تؤكد أن القرآن ما زال يحتل مكانه اللائق في القلوب، وأن أهل الفضل لا يزالون يرون في دعم مؤسساته بابًا من أبواب القربات التي يبقى أثرها بعد رحيل أصحابها.
ولئن كان الثناء مستحقًا للشيخ الكريم على هذه المبادرة المباركة، فإنه مستحق كذلك لإدارة معهد ورش التي استطاعت أن تجعل من المؤسسة القرآنية مشروعًا مجتمعيًا جامعًا، يلتف حوله الناس بمختلف فئاتهم، ويثقون بأن ما يقدمونه من دعم وعطاء سيعود نفعه إلى أبناء المنطقة وطلابها وأهلها، تعلُّمًا وتعليمًا وتربيةً وإصلاحًا.
ولعل من أسرار نجاح هذا المشروع أن القائمين عليه لم يجعلوا التبرعات غاية في ذاتها، وإنما جعلوها وسيلة لتنمية المجتمع وخدمة أبنائه، مع ما حباهم الله به من رجال أعمال ومحسنين أغناهم الله عن التطلع إلى أموال الناس، فصار همُّهم الأكبر إقناع الناس بالإنفاق على مناطقهم وخدمة أبنائهم، ليكون الجميع شركاء في صناعة الخير.
كما يستحق أهل تيرس عامةً كلمة وفاء وتقدير، فقد أثبتوا مرة أخرى أن معدنهم الأصيل لا يزال حاضرًا، وأن ارتباطهم بالقرآن وأهله ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُترجم إلى مواقف عملية ومبادرات تبقى آثارها شاهدة على صدق الانتماء وحسن الوفاء.
هكذا تُبنى المؤسسات النافعة، وهكذا تُخلَّد الأعمال الصالحة؛ رجال يضحون، ومؤسسات تخدم، ومجتمعات تحتضن الخير، فيبقى القرآن هو الرابح الأكبر، ويبقى أثر العطاء ممتدًا في الأجيال جيلاً بعد جيل.

Image
mrtel