د. محمد الأمين شريف أحمد يكتب/؟ الماء في موريتانيا..

Image
chinguitel
التاريخ 25 August 2026 آخر تحديث 25 August 2026

من إدارة العطش إلى بناء الأمن المائي

في موريتانيا، لم تعد أزمة المياه مجرد أرقام في تقارير فنية أو مشكلة موسمية تنتظر مشروعاً جديداً. ففي عدد من المدن والمقاطعات، بلغ نقص المياه مستوى دفع السكان إلى الاحتجاج، بعدما أصبح الحصول على الماء الصالح للشرب جزءاً من معركة الحياة اليومية.
لكن السؤال الأهم هو: هل نستمر في البحث عن الماء كلما ظهرت أزمة، أم نبني منظومة تجعل الماء متاحاً قبل أن تتحول الحاجة إلى أزمة؟
هنا يبدأ مفهوم الأمن المائي.
قطعت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في زيادة إنتاج المياه وتوسيع الاستفادة منها، عبر مشاريع تستهدف نواكشوط والمدن الداخلية والقرى والمناطق الرعوية.
في نواكشوط، يستهدف مشروع إديني زيادة الإنتاج بـ 60 ألف متر مكعب يومياً، فيما ترفع توسعة آفطوط الساحلي الإنتاج إلى 225 ألف متر مكعب يومياً، مقابل نحو 150 ألفاً حالياً عند اكتمال الأشغال. كما ساهمت منشأة إزالة الطمي في بني نعجي في حماية إنتاج آفطوط الساحلي من تأثير عكارة مياه النهر خلال موسم الأمطار.
لكن إنتاج الماء لا يعني بالضرورة وصوله إلى المواطن. فالمتر المكعب الذي ينتج ولا يصل بسبب ضعف الشبكات أو التسرب أو الأعطال لا يحل مشكلة العطش.
لذلك فالمعركة ليست معركة إنتاج فقط، وإنما إنتاج ونقل وتخزين وتوزيع وصيانة في منظومة واحدة.
أظهر.. من مصدر للمياه إلى أصل استراتيجي
يمثل مشروع أظهر أحد أهم مصادر المياه في منظومة الأمن المائي الوطني، وقد مكنت أعمال الصيانة وإعادة التأهيل من زيادة الإنتاج بنحو 3 آلاف متر مكعب يومياً، بينما يجري تنفيذ مشروع جديد لتأمين الطاقة يستهدف رفع إنتاج المنظومة إلى نحو 20 ألف متر مكعب يومياً.
ويعتمد المشروع على منظومة هجينة تجمع الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء بالشبكة والمولدات الاحتياطية، لضمان تشغيل محطات الضخ بصورة أكثر استقراراً.
ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التدريجي ابتداءً من نوفمبر 2026، مع استهداف بلوغ الطاقة الإنتاجية المطلوبة قبل نهاية السنة.
وهنا تكمن أهمية أظهر: الأمن المائي لا يعني امتلاك الماء في باطن الأرض فقط، بل امتلاك القدرة على استخراجه وضخه ونقله باستمرار وبأقل تكلفة ومخاطر ممكنة.
والمرحلة التالية يجب أن تركز على استدامة الحقل وحماية مياهه الجوفية، والتخطيط للتوسعة وربط مدن وتجمعات جديدة به، دون تحويل زيادة الإنتاج إلى استنزاف للمخزون.
العمل على تنوع  المصادر  في المستقبل
إذا كان أظهر يمثل المياه الجوفية، فإن آفطوط الساحلي يمثل المياه السطحية، بينما تفتح التحلية مصدراً ثالثاً قد يصبح حاسماً.
فقد أُنجزت الدراسات الخاصة بمحطة لتحلية مياه البحر في نواكشوط بطاقة تصل إلى 200 ألف متر مكعب يومياً، إلى جانب محطة في نواذيبو بطاقة 50 ألف متر مكعب يومياً، وأُدرجت المشاريع ضمن برنامج الحكومة لعام 2026.
وهكذا تتشكل منظومة متعددة المصادر:
مياه جوفية + مياه نهر + مياه بحر محلاة.
والهدف هو ألا يؤدي تعطل مصدر واحد إلى أزمة، مع إدراك أن المياه الجوفية ليست مخزوناً لا ينفد، والنهر ليس متاحاً دائماً بالكمية والنوعية نفسيهما، والتحلية ليست حلاً بلا تكلفة.
لذلك تكمن قوة المنظومة في تنويع المصادر وإدارة كل مصدر وفق وظيفته الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية.
الرهان على عموم التراب الوطني.
فخطة 2026  تشمل تحسين وضعية المياه في مدن ومناطق متعددة، وتوسيع التزويد في القرى والتجمعات. كما رفعت المرحلة الثانية من آفطوط الشرقي إنتاج المشروع من 5 آلاف إلى 15 ألف متر مكعب يومياً، بما وسع الاستفادة إلى أكثر من 400 قرية في ثلاث ولايات.
وتتواصل كذلك مشاريع نقل المياه من النهر نحو كيفه، وتزويد 165 تجمعاً سكنياً في لبراكنه ولعصابه وتكانت، إلى جانب البرنامج المائي الرعوي الذي يشمل حفر 70 بئراً وإنشاء 15 محطة رعوية.
وهكذا تتوزع مصادر المنظومة بين أظهر في الشرق، وآفطوط الشرقي في الوسط والجنوب، وآفطوط الساحلي وإديني لنواكشوط، وبولنوار لنواذيبو، والتحلية كمصدر مستقبلي جديد.
لكن كل هذه المشاريع مجتمعتا لا تصنع وحدها أمناً مائياً؛ فالمطلوب أن تصبح أجزاءً من استراتيجية وطنية واحدة، وأن تنتقل موريتانيا من منطق «توفير الماء عند الحاجة» إلى منطق «ضمان الماء قبل الحاجة».
و يتطلب الوصول لأمن مائي مستدام، من وجهة نظري  العمل على ست مسارات:
أولاً: مخطط وطني طويل الأمد للأمن المائي يمتد إلى 2035 أو 2040، يحدد احتياجات كل مدينة وقرية ومنطقة رعوية، ومصادر تموينها والاستثمارات المطلوبة، مع تحديثه دورياً وفق النمو السكاني والتغيرات المناخية.
ثانياً: تنويع مصادر المياه وحمايتها. فلا ينبغي استنزاف المياه الجوفية ما دام بالإمكان الاعتماد على النهر أو التحلية، بل تحويل المخزون الجوفي تدريجياً إلى احتياطي استراتيجي حيث تسمح الظروف.
ثالثاً: جعل الشبكات أولوية موازية للإنتاج. فلا معنى لإنتاج مئات آلاف الأمتار المكعبة إذا لم تصل إلى المواطن. ولذلك يجب إطلاق برنامج وطني لتجديد الشبكات، وتقليص الفاقد، وتوسيع التغطية، خصوصاً في الأحياء الطرفية والمرتفعة.
رابعاً: بناء منظومة للصيانة والاستباق. بحيث تصبح الصيانة جزءاً من المشروع منذ إنشائه، مع مخزون دائم من قطع الغيار وفرق تدخل سريعة، حتى لا يتحول عطل صغير إلى أزمة عطش.
خامساً: بناء اقتصاد للمياه. عبر العدادات الذكية، والتسعيرة العادلة، وترشيد الاستهلاك، وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما أمكن، وربط التوسع العمراني بالتخطيط المائي.
سادساً: إنشاء لوحة وطنية للإنذار المبكر. تقيس باستمرار الإنتاج والتغطية والفاقد وجودة المياه واستمرارية الخدمة ومستوى المخزون الجوفي، لتنتقل الدولة من انتظار الأزمة إلى توقعها والتدخل قبل وقوعها.
الماء.. من ملف خدمات إلى أمن وطني
قطعت موريتانيا خطوات مهمة في زيادة إنتاج المياه وتنويع مصادرها. ومشاريع أظهر، وآفطوط الساحلي، وآفطوط الشرقي، وإديني، والتحلية ليست منشآت متفرقة، بل لبنات أولى لمنظومة مائية جديدة، تجيب على سؤال كم متراً مكعباً ننتج؟
لكن الجواب الأكثر أهمية، هو جواب السؤال كم مواطناً نضمن له الماء، وبأي استمرارية، وبأي تكلفة، ولأي عدد من السنوات؟
ذلك هو الفارق بين إدارة العطش وبناء الأمن المائي.

د. محمد الأمين شريف أحمد

Image
mrtel