موريتانيا تنمو بالأرقام.. فمتى يشعر المواطن بهذا النمو في حياته اليومية؟
السؤال مشروع: إذا كان الاقتصاد الموريتاني يحقق نمواً، وبدأت عائدات الغاز تتدفق، وتحسنت المؤشرات المالية، فلماذا لا يزال المواطن يواجه أسئلة العمل والدخل والأسعار والماء والكهرباء والخدمات؟
المشكلة ليست أن الاقتصاد لا ينمو، بل أن النمو لا يتحول بالسرعة الكافية إلى رفاه يشعر به المواطن.
وفق أحدث بيانات البنك الدولي، نما الاقتصاد الموريتاني 4.2% في 2025، بعد 6.3% في 2024، لكن نمو نصيب الفرد لم يتجاوز 1.4%. وبلغ الناتج المحلي نحو 11.7 مليار دولار، أي حوالي 2,200 دولار للفرد، بينما ظل نحو 25.2% من السكان تحت خط الفقر. ومع ذلك، انخفض الفقر من 27% في 2024 إلى 25.2% في 2025، أي خروج نحو 55 ألف شخص من دائرة الفقر، كما تراجع متوسط التضخم إلى 1.5% في 2025.
من نمو الناتج إلى نمو الدخل
هناك فرق بين ارتفاع الناتج المحلي وارتفاع دخل الأسرة. فالاقتصاد قد ينمو بفعل زيادة إنتاج الحديد والذهب والغاز، بينما تظل القطاعات الأكثر قدرة على توفير الوظائف والدخل، كالزراعة والثروة الحيوانية والصيد والصناعة والخدمات، أقل نمواً.
وهنا يكمن أحد تحديات الاقتصاد الموريتاني: الاعتماد الكبير على القطاعات الاستخراجية مقابل محدودية قدرتها على خلق فرص عمل واسعة ومستدامة.
لذلك لا يكفي استخراج الذهب والحديد والغاز؛ المطلوب تحويل عائداتها إلى استثمارات منتجة في الزراعة، والثروة الحيوانية، والصيد، والصناعة، والخدمات، والاقتصاد الرقمي، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يؤكد البنك الدولي أهمية توجيه عائدات التعدين نحـو القطاعات الإنتاجية والخدمات والاقتصاد الرقمي.
الغاز.. فرصة تاريخية
مع بدء إنتاج الغاز من حقل السلحفاة الكبرى آحميم في 2025، دخلت موريتانيا مرحلة اقتصادية جديدة، بما يوفره من صادرات وإيرادات ودعم للمالية العامة والاحتياطيات.
لكن السؤال الأهم ليس: كم ستربح موريتانيا من الغاز؟
بل: ماذا ستفعل بهذه العائدات؟
إذا ذهبت أساساً إلى الإنفاق الجاري، فسيكون أثرها محدوداً. أما إذا تحولت إلى مياه وكهرباء وتعليم وصحة وطرق وموانئ وزراعة حديثة وصناعة وتكوين مهني وتمويل للمؤسسات الصغيرة ورقمنة الإدارة، فإن الغاز يمكن أن يصبح نقطة تحول حقيقية.
المواطن لا يسأل عن معدل نمو الناتج، بل:
هل وجدت عملاً؟ هل زاد دخلي؟ هل انخفضت كلفة المعيشة؟ هل تحسنت المياه والكهرباء؟ هل يستطيع أبنائي الحصول على تعليم جيد؟ وهل أجد علاجاً محترماً؟
وهنا تظهر الفجوة بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد الذي يعيشه المواطن.
فحتى إذا تحسنت الصادرات والمالية العامة والاحتياطيات، لن يعتبر المواطن ذلك نجاحاً كاملاً إلا عندما يتحول إلى دخل وفرص وخدمات وأمان اقتصادي.
من استخراج الثروة إلى استثمارها
المطلوب ليس التخلي عن التعدين والغاز، بل الانتقال من اقتصاد يستخرج الموارد إلى اقتصاد يستثمر عائداتها.
فالذهب والغاز والحديد يجب ألا تكون نهاية الدورة الاقتصادية، بل بدايتها: نستخرج الثروة، ثم نستثمر جزءاً كبيراً من عائداتها في قطاعات تخلق قيمة مضافة ووظائف دائمة.
وبالموازاة، ينبغي ألا تتحول الحماية الاجتماعية إلى بديل عن خلق الدخل. فالمواطن يحتاج إلى المساعدة عند العجز، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى عمل منتج، ومشروع قابل للحياة، وتكوين جيد، وتمويل ميسر، وسوق قادر على المنافسة.
نحو عقد اقتصادي جديد
موريتانيا لا تحتاج فقط إلى معدلات نمو جيدة، بل إلى نمو أكثر شمولاً، عبر خمسة تحولات:
1. توجيه جزء أكبر من عائدات الموارد الطبيعية إلى الاستثمار المنتج.
2. إعطاء أولوية للقطاعات الأكثر قدرة على خلق الوظائف، خاصة الزراعة والثروة الحيوانية والصيد والصناعة والخدمات.
3. تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من التمويل والأسواق.
4. تحسين الخدمات الأساسية؛ فالماء والكهرباء والتعليم والصحة ليست خدمات اجتماعية فقط، بل بنية تحتية للنمو.
5. ربط تقييم السياسات الاقتصادية بمؤشرات حياة المواطن: الدخل الحقيقي، الوظائف، الأسعار، الإنتاجية، جودة الخدمات ونسبة الفقر.
السؤال الحقيقي
موريتانيا أمام فرصة لا تتكرر كثيراً: الغاز، والذهب، والحديد، والصيد، والثروة الحيوانية، والإمكانات الزراعية، والموقع الجغرافي، والاقتصاد الرقمي.
لكن الثروة وحدها لا تصنع التنمية؛ التنمية هي تحويل الثروة إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والوظائف إلى دخول، والدخول إلى حياة أفضل.
لذلك لم يعد السؤال:
هل ينمو الاقتصاد الموريتاني؟
بل:
هل يشعر المواطن بهذا النمو في جيبه وبيته وعمله وخدماته؟
د محمد الأمين شريف أحمد