تغيّب إمام مسجدنا اليوم لداعٍ لم نعلمه، وانتظر المصلّون قليلًا، قبل أن يجد المؤذّن نفسه أمام مهمّة لم تكن، على الأرجح، في حسبانه: أن ينتقي من بين الحاضرين من يصعد المنبر.
أخذ يتفرّس في الصفوف بحثًا عمّن تتوافر فيه أمارات الخطيب، ويبدو أنّي لم أبلغ حتى مرحلة الترشيح الأولي؛ ولعلّ حلاقة اللحية كانت كافية لإسقاط اسمي مبكرًا من قائمة المشتبه في أهليتهم للمنبر!
وبينما كانت عملية الاختيار جارية، شرد بي الخيال قليلًا: ماذا لو أشار إليّ المؤذّن؟
ربما كنت سأصعد، ولن أطيل:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيها الناس،
نعيش زمنًا صار فيه الوصول إلى الخبر أسرع من الوصول إلى الحقيقة، وكثر فيه الكلام وقلّ الإصغاء، واتّسعت وسائل التواصل، ولم تتّسع معها بالضرورة مساحات التراحم والتفاهم.
تغيّرت من حولنا أشياء كثيرة: أدواتنا، وأعمالنا، وطرائق تواصلنا، وإيقاع حياتنا. لكن حاجتنا إلى القيم لم تتغيّر؛ بل لعلها ازدادت.
وديننا لا يدعونا إلى مغادرة عصرنا، وإنما إلى أن نحياه بقيمنا: أن نصدق حين يسهل الكذب، ونتثبّت حين يسهل النشر، ونؤدي الأمانة حين تغري المصلحة، ونحترم الوقت، ونتقن العمل، ونصون المال العام، ونختلف دون أن نتباغض، وننافس دون أن نظلم.
فالإيمان ليس عزلةً عن الحياة، وإنما ميزانٌ لها؛ وأثره لا يُقاس بما نقول فحسب، بل بما نضيفه من عدلٍ إلى معاملاتنا، ومن أمانةٍ إلى أعمالنا، ومن رحمةٍ إلى علاقاتنا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
فليكن لكل واحدٍ منا نصيبٌ من العدل يقيم به حقًّا، ونصيبٌ من الإحسان يجبر به خاطرًا، وأثرٌ طيب يتركه حيثما حلّ.
اللهم أصلح أحوالنا، وألّف بين قلوبنا، وبارك في بلدنا وأهلنا، واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال.
أقيموا الصلاة.
ثم نزلتُ من المنبر في خيالي…
وكان المؤذّن، في الواقع، قد عثر على خطيبه؛ وبقيتُ أنا في الصف، بلحيةٍ حليقة وخطبةٍ لم تُلقَ!