من الصعب كتابة تاريخ الاقتصاد الموريتاني الحديث دون التوقف عند الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»؛ فهي ليست مجرد شركة لاستخراج الحديد، بل مؤسسة ارتبط تاريخها بالدولة، وأسهمت في تمويل الميزانية، وتوفير العملة الصعبة، وخلق الوظائف، وبناء البنية التحتية الصناعية في شمال البلاد.
من ميفرما إلى سنيم
بدأ استغلال الحديد في كدية الجل، وفي 1952 تأسست شركة معادن حديد موريتانيا MIFERMA، وبدأ تصدير خام الحديد سنة 1963. وفي 28 نوفمبر 1974 أممت موريتانيا الشركة، وانتقلت أصولها إلى سنيم.
وعند التأميم كانت ميفرما تمثل نحو ثلث موارد الميزانية، و80% من الصادرات، وربع الوظائف المأجورة، بما يعكس مبكراً الأهمية الاستثنائية للحديد في الاقتصاد الوطني.
ومن أبرز محطات تطور سنيم: 1974 التأميم، 1978 فتح رأسمال الشركة أمام مؤسسات مالية عربية وإسلامية وتحولها إلى شركة اقتصاد مختلط، 1984 بدء إنتاج منشأة معالجة خامات Guelb El Rhein، 1987 اكتشاف منجم أم آشودات، 1991 اكتشاف منجم TO14، 1994 بدء استغلال أم آشودات، و2006 تجاوز مبيعات الشركة منذ بدء التصدير 400 مليون طن.
منظومة صناعية متكاملة
تحولت سنيم من شركة استخراج إلى منظومة تشمل البحث الجيولوجي والاستخراج والمعالجة والنقل والطاقة والميناء والتصدير. وتمتلك خطاً حديدياً يتجاوز 700 كلم يربط المناجم بميناء نواذيبو.
و في 2024 باعت الشركة 14.226 مليون طن من خام الحديد، محققة رقماً قياسياً، وبلغ رقم أعمالها نحو 45.7 مليار أوقية جديدة، أي حوالي 1.15 مليار دولار، بانخفاض 9% بسبب تراجع أسعار الحديد العالمية. وبلغ صافي الربح نحو 268 مليون دولار مقابل 396 مليون دولار سنة 2023.
وبحسب بيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، ساهمت سنيم في 2024 بنحو 11% من إيرادات الميزانية، و6% من الناتج المحلي، و29% من صادرات البلاد. أما بيانات الشركة لسنة 2025 فتشير إلى مساهمة بلغت 10% من إيرادات الميزانية، و6% من الناتج المحلي، و27% من الصادرات.
التشغيل والاقتصاد الوطني
بلغ عدد العاملين المباشرين في سنيم سنة 2025 حوالي 7,003 موظفين، فيما تتعامل مع نحو 150 مؤسسة وطنية توفر أكثر من 4,300 وظيفة، وبلغت مشترياتها المحلية حوالي 77.5 مليون دولار.
وبذلك لا تقتصر مساهمتها على الوظائف المباشرة، بل تمتد إلى المقاولات والصيانة والنقل والخدمات والطاقة والتكوين، ما يجعل توسعها رافعة مهمة للقطاع الخاص والاقتصاد الوطني.
نقاط القوة والضعف
تتمتع سنيم بقاعدة معدنية كبيرة، وخبرة تتجاوز ستة عقود، وبنية تحتية متكاملة، وخط سكك حديدية يتجاوز 700 كلم، وميناء ومرافق للطاقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.
لكنها تواجه تحديات أبرزها الاعتماد الكبير على أسعار خام الحديد العالمية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، والحاجة إلى تحديث المعدات، ومحدودية القيمة المضافة، وبطء بعض المشاريع الكبرى.
وفي 2024 ارتفعت تكاليف المواد المستهلكة، ومن أسباب ذلك زيادة استهلاك المحروقات، خصوصاً الغازوال المستخدم في تشغيل مجموعات الطاقة.
كيف نحقق أهداف سنيم بأقل تكلفة وأسرع وقت؟
الأولوية ينبغي أن تكون للمشاريع التي ترفع الإنتاج باستعمال البنية التحتية القائمة، مع جعل خفض تكلفة الطن هدفاً رئيسياً؛ فكل دولار يوفر في إنتاج ونقل الطن يتحول، مع ملايين الأطنان، إلى أرباح إضافية كبيرة.
وقد صادق مجلس الإدارة على استثمارات تقارب 457 مليون دولار لتوسعة السكك الحديدية في إطار مشروعي العوج وتكامل. كما يستهدف طموح سنيم على المدى المتوسط الوصول إلى 45 مليون طن سنوياً مقابل نحو 14 مليون طن حالياً.
ويتطلب ذلك:
• التوسع في الطاقة الشمسية لتقليل كلفة الوقود؛ وقد شغلت سنيم محطة شمسية بقدرة 12 ميغاواط.
• تسريع المعالجة وزيادة القيمة المضافة، من خام الحديد إلى المركزات والكريات والحديد المختزل والمنتجات الحديدية.
• تطوير الصيانة الوقائية والرقمنة لتقليل الأعطال والتوقفات.
• إنشاء صناعة وطنية حول سنيم في الصيانة وقطع الغيار والهندسة والنقل والبرمجيات والطاقة والخدمات المينائية.
• تعزيز الإدارة المهنية القائمة على مؤشرات الأداء والنتائج، وحماية القرار الفني والإداري من التجاذبات غير الاقتصادية.
الخلاصة
بعد أكثر من ستة عقود، أثبتت سنيم أنها إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية الموريتانية. ففي 2024 باعت 14.226 مليون طن، وحققت حوالي 1.15 مليار دولار من رقم الأعمال، وساهمت بنحو 11% من إيرادات الميزانية، و6% من الناتج المحلي، و29% من الصادرات.
لكن المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة كمية الإنتاج، بل زيادة قيمة كل طن، وخفض تكلفة إنتاجه، وتنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الصناعة المحلية المرتبطة به.
فالرهان الحقيقي هو:
إنتاج أكبر + تكلفة أقل + قيمة مضافة أعلى + طاقة أرخص + صناعة وطنية حول سنيم = شركة أقوى واقتصاد موريتاني أكثر استقلالاً.
وبذلك يمكن لسنيم أن تنتقل من كونها أكبر شركة موريتانية إلى النواة الحقيقية لأول قاعدة صناعية ثقيلة في البلاد.
د محمد الأمين شريف أحمد...