معالي الوزير الأول،السيد المختار ولد اجايالمحترم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

Image
chinguitel
التاريخ 12 October 2026 آخر تحديث 12 October 2026

يسرني أن أتقدم إليكم بأصدق التهاني وأطيب التبريكات بمناسبة تجديد الثقة فيكم وتعيينكم للمرة الثانية وزيرًا أول، في خطوة تعكس ثقة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في كفاءتكم وقدرتكم على مواصلة تنفيذ برنامجه، والاضطلاع بمسؤوليات المرحلة المقبلة بما تتطلبه من جدية وحزم واستشراف.
صاحب المعالي،
ما يستوقفني في مساركم ليس المنصب الذي بلغتموه فحسب، بل الطريق الذي أوصلكم إليه. فقد شققتم طريقكم في الحياة العامة اعتمادًا، في المقام الأول، على جهدكم وكفاءتكم وتجربتكم المهنية، وما أظهرتموه من جدية وصدق في العمل وإخلاص في أداء المهام الموكلة إليكم، من دون أن تستندوا إلى مشيخة قبلية، أو نفوذ جهوي، أو رتبة عسكرية رفيعة، أو رأسمال مالي مؤثر. وكان رصيدكم الأبرز ما امتلكتموه من مؤهلات، وما راكمتموه من تجربة، وما كسبتموه من ثقة لدى من أتيحت لهم فرصة العمل معكم ومعرفة أسلوبكم في تحمل المسؤولية.
إنها مسيرة تؤكد أن الكفاءة والمثابرة والوفاء بالالتزامات قادرة على فتح أبواب قد لا تفتحها مراكز النفوذ التقليدية، وأن ثقة القيادة لا تُكتسب بالانتساب إلى دوائر القوة وحدها، وإنما تُبنى كذلك بالعمل والجدارة والقدرة على تحويل التكليف إلى إنجاز.
وقد اخترتم، كما يبدو من مساركم، أن تجعلوا أداء الواجب والوفاء بالالتزامات بوصلتكم في تحمل المسؤولية، من دون أن ترتهنوا لما يقال في المجالس أو لما تتداوله الأوساط السياسية من أحكام وانطباعات. وهذه خصلة محمودة متى اقترنت بالحكمة، والإنصات للنقد الموضوعي، والاستعداد لمراجعة ما يستوجب المراجعة؛ فالمسؤول الناجح ليس من يسعى إلى إرضاء الجميع، وإنما من يميز بين النقد الذي يعينه على التصحيح والخصومة التي لا ينبغي أن تصرفه عن واجبه.
ومع ذلك، لم تحظَ جهودكم دائمًا بما تستحقه من اعتراف وإنصاف، وواجهتم من الاعتراض والانتقاد والخصومة ما قد يجعل المرء يتساءل عن نصيب العمل الجاد من التقدير في معترك السياسة. فكأن الاعتراف بجهد المسؤول قد يُحسب أحيانًا انتقاصًا من الآخرين، أو كأن الإنصاف لا يستقيم مع التنافس. غير أن قيمة الرجل لا تقاس بحجم المؤيدين ولا بعدد المعارضين، كما أن كثرة المادحين لا تثبت وحدها صواب المسار، ولا تكفي الخصومة دليلًا على خطئه.
ولستم، في ذلك، استثناءً من تجارب التاريخ؛ فقد عرف العالم رجالًا في السياسة والدين والإصلاح واجهوا المحن والاعتراضات، رغم ما أظهروه من ثبات على قناعاتهم وما بذلوه من جهود في سبيل ما آمنوا به. ويكفي أن نستحضر محنة الإمام أحمد بن حنبل، الذي تحمل الأذى بسبب موقفه العقدي، وتجربة نيلسون مانديلا، الذي قضى سبعة وعشرين عامًا في السجن بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري، ثم اختار المصالحة طريقًا لبناء وطنه. ولا أقصد باستحضار هذين المثالين المساواة بين تجارب متباينة في سياقاتها ودلالاتها، وإنما التذكير بأن طريق المبدأ والعمل لا يفضي بالضرورة إلى رضا الجميع، وأن الخصومة، مهما اشتدت، لا تغني عن التقييم الموضوعي للمواقف والنتائج.
معالي الوزير الأول،
إن تجديد الثقة فيكم للمرة الثانية ليس مجرد تقدير لمسار مضى، بل هو تكليف جديد يضاعف المسؤولية ويرفع سقف التطلعات. وهو فرصة لمواصلة العمل على تحويل الكفاءة والخبرة إلى نتائج ملموسة، يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، وتعزز ثقته في مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة لتطلعاته.
وإذا كان من حق كل مسؤول أن يواجه حملات التشكيك بثباته على ما يراه صوابًا، فإن مسؤوليته تقتضي، في المقابل، ألا تحجبه ضوضاء الخصومات عن صوت المواطن، وألا تحول الثقة بالنفس دون الإنصات للرأي المخالف، وألا يصرفه الانشغال بالمعترضين عن تقييم أدائه وتصحيح اختلالاته. فالقوة الحقيقية للمسؤول لا تكمن في تجاهل النقد، بل في امتلاك القدرة على التمييز بين النقد البنّاء والتجريح، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات تعطيل العمل.
وأملي أن تواصلوا مسيرتكم بالروح التي أكسبتكم ثقة صاحب الفخامة، وأن تظلوا أوفياء للأمانة التي تحملتموها، حريصين على استقلالية القرار في إطار التوجهات الوطنية التي كُلّفتم بتنفيذها، ومنفتحين على الكفاءات والآراء الصادقة، ومنصفين لكل من يسهم في خدمة الوطن، مهما اختلفت معه المواقع أو التوجهات. فالإصلاح لا يقوم على جهد فرد واحد، ولا تكتمل ثماره إلا بتضافر الكفاءات وتكامل الأدوار وإعلاء المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.
معالي الوزير الأول،
قد لا ينصفك الجميع في لحظة العمل، وقد لا يعترف كل خصم بما يتحقق من إنجاز، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للانكفاء أو سببًا للتشدد. فالمسؤولية ليست سباقًا لكسب رضا الناس جميعًا، وإنما أمانة في خدمة الوطن، يظل معيار الوفاء بها هو نزاهة الأداء، وعدالة القرارات، وجودة النتائج، والاستعداد الدائم للمساءلة والتصحيح.
أبارك لكم هذه الثقة المتجددة، وأسأل الله أن يوفقكم ويسدد خطاكم، وأن يعينكم على حمل الأمانة، ويرزقكم الحكمة في القرار، والعدل في التعامل، والثبات على المبدأ، والتواضع أمام النقد، والإنصاف في الحكم على الناس.
وفقكم الله لما فيه خير موريتانيا وشعبها، وجعل عهدكم الجديد عهد إنجاز وإصلاح، وترسيخ للاستحقاق، وإنصاف للكفاءات، وتغليب للمصلحة الوطنية على كل اعتبار، حتى يكون العمل الصادق أبلغ من القول، والإنجاز أصدق من الادعاء، وخدمة المواطن هي الغاية التي تلتقي عندها الجهود وتُقاس بها المسؤوليات.
إبراهيم سيداتي

Image
mrtel