في الوقت الذي تستأثر فيه مسألة المأموريات و مشروع الحوار الوطني بجزء معتبر من النقاش العام في البلد ، يبدو أن هناك سؤالًا أكثر إلحاحًا يستحق أن يتصدر الاهتمام: من سيقود المرحلة القادمة؟ وهل نجحت الساحة السياسية في إنتاج البديل القادر على تحمل مسؤولية بهذا الحجم؟
فمع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يصبح التفكير في المستقبل أمرًا طبيعيًا. ذلك أن قوة الأنظمة السياسية لا تقاس فقط بوضوح القواعد الدستورية المنظمة للتداول على السلطة، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج قيادات جاهزة لتحمل المسؤولية عندما يحين أوانها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو أن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق بالنصوص الدستورية، لأن الدستور حسم مسألة المأموريات بصورة واضحة، وإنما يتعلق بواقع الساحة السياسية نفسها. فالمتابع للمشهد الوطني يلاحظ أن سؤال البديل ما زال مطروحًا بإلحاح، وأن النقاش حول المرحلة المقبلة ما زال يفتقر إلى شخصية استطاعت أن تفرض نفسها باعتبارها الخيار الطبيعي أو الأكثر جاهزية لقيادة تلك المرحلة. ويزداد هذا السؤال إلحاحًا كلما اتضح أن متطلبات المرحلة المقبلة أكبر من أن تُدار بالافتراضات أو الأمنيات، وأن الفجوة ما تزال قائمة بين حجم المسؤولية المنتظرة ومستوى الجاهزية السياسية الظاهر حتى الآن.
ولعل ما يمنح هذا السؤال أهميته هو أن استقرار الدول لا يقوم فقط على وجود قواعد واضحة لانتقال السلطة، بل أيضًا على وجود قيادات تمتلك من الرصيد والخبرة والقبول ما يجعلها قادرة على مواصلة البناء ومواجهة التحديات. فالنصوص تضمن شرعية الانتقال، أما جودة الانتقال فتظل مرتبطة بمدى جاهزية البدائل المتاحة.
لذلك، فإن القضية التي تستحق أن تكون موضوع الساعة ليست البحث في مسألة أجاب عنها الدستور، وإنما التفكير في الكيفية التي تستطيع بها الساحة السياسية أن تنتج قيادات وطنية تمتلك الكفاءة والرؤية والرصيد اللازم لقيادة البلاد في المستقبل. وحتى يتحقق ذلك، سيظل سؤال الخلافة السياسية من أكثر الأسئلة إلحاحًا في النقاش الوطني