ليست السياسة الرشيدة مجرد إدارة للشأن العام، وإنما هي قبل ذلك قدرة على التمييز بين ما يخدم الوطن وما يكرس الانقسام، وبين ما يطفئ نار الخلاف وما يزيدها اشتعالًا. ومن هذا المنظور يكتسب العفو الذي صدر بحق النائبين مريم وقامو دلالاته العميقة، باعتباره قرارًا تجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى رسالة سياسية وأخلاقية عنوانها أن موريتانيا تتسع لجميع أبنائها، وأن الحكمة تبقى أرفع شأنًا من الانفعال، وأن التسامح عند القدرة أبلغ أثرًا من التشدد عند الخصومة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول القوية ليست تلك التي تكثر من العقوبات، وإنما تلك التي تعرف متى تستعمل الحزم ومتى تفتح أبواب الصفح، ومتى تجعل من العفو جسرًا تعبر عليه النفوس من التوتر إلى الطمأنينة، ومن الاحتقان إلى التهدئة. ولذلك ظل العفو في ثقافة الأمم الراقية وفي تراثنا الإسلامي خاصة من أشرف الخصال وأرفع المكارم، لأنه يعكس الثقة والقوة وسعة الأفق.
ومن هنا فإن هذا القرار يستحق أن يُقرأ بوصفه خطوة في اتجاه تعزيز السلم الأهلي وترسيخ مناخ الانفتاح والتسامح، ويستحق صاحبه الإشادة لما حمله من معانٍ راقية تؤكد أن القيادة الحكيمة لا تنشغل بتصفية الحسابات، وإنما تنصرف إلى جمع الكلمة وتقوية الجبهة الداخلية وخدمة المصالح العليا للوطن.
غير أن المؤسف حقًا أن بعض الأصوات ما تزال أسيرة منطق الاستقطاب، عاجزة عن رؤية الخير المجرد من الحسابات الضيقة، فتتعامل مع مبادرات التهدئة بعين الشك، وتفسر كل بادرة إيجابية بمنظار المكايدة السياسية. وهذا لون من التعاطي لا يخدم أحدًا، لأنه يحرم البلاد من مناخ الثقة الذي تحتاجه، ويعيد إنتاج أسباب التوتر كلما لاحت فرصة للتوافق والتقارب.
إن موريتانيا لا تحتاج اليوم إلى خطابات التأجيج، ولا إلى المزايدات التي تستثمر في الخلاف، ولا إلى الأصوات التي تبحث عن المكاسب في مواسم الانقسام، وإنما تحتاج إلى خطاب وطني راشد يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، ويجعل من الوحدة الوطنية مقصدًا لا مساومة عليه.
فالخير لموريتانيا لا يكون بشعارات قبلية ولا بدعايات عرقية ولا باستدعاء الانتماءات الضيقة، وإنما يكون بالعمل المشترك والإيمان بأن الوطن أكبر من الجميع، وأن استقراره مكسب للجميع، وأن كل خطوة تدعم التهدئة وتغلق أبواب الفتنة ينبغي أن تُستقبل بالترحيب والتقدير.
إن الأوطان التي تتقدم هي الأوطان التي يحسن أبناؤها استقبال مبادرات الوفاق، ويجعلون من التسامح قوة، ومن الاختلاف وسيلة للتنافس في خدمة الصالح العام لا ذريعة للتنازع والتباغض. وفي هذا السياق يأتي هذا العفو ليؤكد مرة أخرى أن الحكمة تظل الطريق الأقصر إلى القلوب، وأن التسامح حين يصدر عن موقع القدرة ليس ضعفًا، بل هو مظهر من مظاهر الثقة بالنفس وقوة الدولة ورسوخ مؤسساتها.
وستظل موريتانيا بحاجة إلى مثل هذه الروح؛ روح تتجاوز الجراح ولا تنكرها، وتستوعب الاختلاف ولا تؤججه، وتؤمن بأن الوطن باقٍ وأن الخلافات عابرة، وأن ما يجمع الموريتانيين أكبر بكثير مما قد يفرقهم.
أبى بن معاذ