د محمد الأمين شريف أحمد... يكتب /؟ الفساد في موريتانيا..

Image
chinguitel
التاريخ 04 September 2026 آخر تحديث 04 September 2026

26 عاماً من القوانين، والسؤال الذي لم يُجب عنه بعد

منذ بداية الألفية، قطعت موريتانيا مسافة طويلة في بناء منظومة مكافحة الفساد: قوانين جديدة، مؤسسات رقابية، اتفاقيات دولية، آليات للشفافية، وتشريعات للتصريح بالممتلكات والصفقات العمومية.

لكن بعد أكثر من ربع قرن، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل نجحنا فعلاً في تقليص الفساد، أم أننا نجحنا أساساً في بناء منظومة قانونية لم تتحول بعد إلى منظومة فعالة لحماية المال العام؟

الإجابة لا يمكن أن تكون سياسية أو انطباعية فقط؛ فالأرقام والمؤشرات الدولية تقدم صورة أكثر تعقيداً.

من 2000 إلى 2010.. حين كان البناء المؤسسي في بدايته

خلال 2000–2005 كان الإطار الموريتاني لمكافحة الفساد محدوداً، وموزعاً بين القانون الجنائي والمالية العامة والرقابة الإدارية، دون منظومة وطنية متكاملة.

وفي 2006 حصلت موريتانيا على 3.1/10 في مؤشر مدركات الفساد، واحتلت المرتبة 84 من 163 دولة، كما انضمت في السنة نفسها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

ثم جاءت سنة 2007 بمحطتين مهمتين: صدور القانون 2007-054 المتعلق بالشفافية المالية في الحياة العمومية، وانضمام موريتانيا إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI في 27 سبتمبر.

لكن سنة 2010 كشفت عن صعوبة تحويل التشريع إلى واقع؛ إذ تراجع المؤشر إلى 2.2/10، واحتلت موريتانيا المرتبة 143 من 178 دولة.

ومن هنا بدأت تتبلور حقيقة مهمة: مكافحة الفساد ليست قانوناً واحداً، ولا هيئة واحدة، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من طريقة اتخاذ القرار وتنتهي بكيفية إنفاق المال العام ومراقبته.

2012–2021.. ترسانة قانونية تتشكل

شهدت الفترة التالية توسعاً واضحاً في الإطار التشريعي.

ففي 2012 سجلت موريتانيا 31/100 في مؤشر مدركات الفساد.

وفي 2015 صدر القانون التوجيهي 2015-040 المتعلق بمكافحة الفساد، ثم القانون 2016-014 المتعلق بمكافحة الفساد.

وفي 2017 صدر قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 2017-006، ثم القانون التنظيمي 2018-032 المتعلق بمحكمة الحسابات.

وفي 2019 صدر القانون 2019-017 المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وخلال 2020–2021 استمرت إصلاحات المالية العامة والحوكمة، وتزايد الاعتماد على الرقمنة كأداة للحد من التدخل البشري، مع تطوير الإطار القانوني للشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كانت هذه مرحلة بناء الأدوات.

لكن السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً لاحقاً هو: هل أصبحت الأدوات قادرة على إنتاج النتائج؟

2022.. لحظة الاعتراف بأن المشكلة أعمق

في 2022 طلبت الحكومة الموريتانية من صندوق النقد الدولي إجراء تشخيص شامل للحوكمة ومخاطر الفساد.

وأجرى فريق من 10 خبراء مهمة في نواكشوط بين 23 مايو و2 يونيو 2022.

وفي 2023 صدر التشخيص الذي لم ينظر إلى الفساد باعتباره ظاهرة معزولة، وإنما درس مخاطره في:

المالية العامة، الضرائب، الجمارك، الصفقات العمومية، المؤسسات العمومية، البنك المركزي، القطاع المالي، الموارد الطبيعية، مكافحة غسل الأموال، وتنفيذ العقود وحماية حقوق الملكية.

وهذه ربما أهم خلاصة في المسار كله:

مشكلة الفساد لا توجد في مكان واحد؛ إنها قد تظهر في أي نقطة تلتقي فيها السلطة بالمال أو القرار الإداري بالمصلحة الخاصة.

أين تكمن أكبر المخاطر؟

الصفقات العمومية.. حيث يتحول القرار الإداري إلى مال

تأتي الصفقات العمومية في مقدمة المجالات الحساسة.

فالمخاطر يمكن أن تبدأ من دفتر الشروط، مروراً باختيار المتنافسين وتقييم العروض والإسناد بالتراضي، وصولاً إلى الملاحق ومراقبة التنفيذ والدفع.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يتمثل فقط في قانون جديد، بل في جعل كل صفقة قابلة للتتبع:

من الإعلان، إلى المتنافسين، إلى الفائز، إلى العقد، إلى الملاحق، إلى الإنجاز، ثم الدفع.

ولهذا اكتسب صدور القانون 2026-026 المتضمن مدونة الطلبية العمومية أهمية خاصة في 2026.

العقار.. عندما تتحول الوثيقة إلى مصدر للنزاع

العقار مجال آخر شديد الحساسية، بسبب قيمة الأرض وتعدد الوثائق والجهات المتدخلة.

وتتركز المخاطر في المنح والتخصيص والتسجيل والتسوية وتغيير الملكية وإصدار الوثائق.

والحل ليس رقمنة الورق فقط، بل بناء سجل عقاري وطني موحد يربط العقار بالحالة المدنية والخرائط والضرائب والقضاء، بحيث يصبح كل تغيير قابلاً للتتبع ولا يمكن إخفاء أثره.

التعدين والغاز.. ثروة وطنية تفرض شفافية استثنائية

تزداد أهمية هذا الملف عندما ننظر إلى الأرقام.

فالصناعات الاستخراجية مثلت سنة 2023 نحو 18.91% من الناتج المحلي الإجمالي، و76.28% من الصادرات، و22.73% من الإيرادات الحكومية، مقابل 5.83% من التشغيل.

ولهذا فإن مخاطر الحوكمة في هذا المجال ترتبط خصوصاً بـمنح الرخص، والعقود، وتحديد الإنتاج، والتكاليف، والإتاوات، والضرائب، والملكية الحقيقية للشركات.

وفي تقييم EITI لعام 2024 حصلت موريتانيا على 81/100، وصُنّف مستوى تنفيذها بأنه «متوسط».

لكن هناك رقم يستحق التوقف: 66% من الجهات الحائزة لرخص التعدين لم تصرح بالمستفيدين الحقيقيين، مقابل 33% فقط قامت بالإفصاح، وكانت المجموعة المفصحة تضم أكبر الشركات من حيث الإنتاج والإيرادات الحكومية.

هذا الرقم لا يعني أن تلك الشركات فاسدة؛ لكنه يكشف ثغرة جوهرية في الشفافية ينبغي سدها.

الضرائب والجمارك.. المال الذي لا يدخل الخزينة

قد لا يأخذ الفساد هنا شكل اختلاس مباشر.

قد يكون إعفاءً غير مستحق، تخفيضاً ضريبياً، تلاعباً في القيمة الجمركية، أو تسوية مخالفة مقابل منفعة.

والخطر أن المال لا يظهر باعتباره «مالاً خرج من الخزينة»، بل باعتباره إيراداً كان يفترض أن يدخلها ولم يدخل.

ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تعني مراقبة النفقات فقط، وإنما أيضاً حماية الإيرادات العامة.

الشركات العمومية.. أموال وأصول تحتاج إلى حوكمة

تدير المؤسسات والشركات العمومية أصولاً وأموالاً وعقوداً كبيرة، وهو ما يجعل الحوكمة فيها مسألة وطنية.

ولهذا جاء القانون 2025-002 المتعلق بالمؤسسات والشركات العمومية في سياق تعزيز هذه الحوكمة.

لكن المطلوب يتجاوز مراقبة الحسابات إلى معرفة:

ماذا تملك المؤسسة؟ ماذا تنتج؟ كم تنفق؟ كم توظف؟ كم تدفع للدولة؟ وما تكلفة الخدمات التي تقدمها؟

الصيد والبنية التحتية والصحة والتعليم

في قطاع الصيد تتركز المخاطر في الرخص، مراقبة المصطادات، الكميات، المخالفات والتصدير.

أما البنية التحتية، فتظهر المخاطر في الكلفة، والمواصفات، والملاحق، وجودة التنفيذ، خصوصاً في المشاريع الكبيرة.

وفي الصحة تبرز مخاطر شراء الأدوية والمعدات والتوريد والتخزين والتوزيع، وفي التعليم التوظيف والمنح والنقل والتجهيز والأشغال.

أما الإدارة المحلية فتبرز فيها مخاطر مرتبطة بـالعقار والرخص والصفقات والتوظيف والجباية.

وهذه القطاعات لا تقل أهمية لأن الفساد فيها لا يمس المال العام فقط، بل يمس الخدمة التي تصل إلى المواطن مباشرة.

2025–2026.. مرحلة جديدة

ربما تكون أهم تطورات المرحلة الأخيرة أن موريتانيا انتقلت إلى بناء منظومة أكثر تخصصاً.

ففي 2025 صدرت ثلاثة قوانين محورية:

- القانون 2025-021 لمكافحة الفساد؛
- القانون 2025-022 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح؛
- القانون 2025-023 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد.

كما صدر القانون 2025-002 المتعلق بالمؤسسات والشركات العمومية.

وفي 2026 جاء القانون 2026-026 المتضمن مدونة الطلبية العمومية.

وبالتوازي، يجري العمل على رقمنة الصفقات العمومية، ورقمنة السجل العقاري، ومنصة لمتابعة تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة، وتصنيف شركات البناء والأشغال العمومية.

والأكثر أهمية أن المفتشية العامة للدولة أعلنت إنجاز خريطتي مخاطر فساد لقطاعي الصحة والتعليم، وخريطة للطلبية العمومية والمجموعات الإقليمية، مع التخطيط لإعداد 9 خرائط مخاطر إضافية خلال 2026.

وهذا تحول مهم في فلسفة مكافحة الفساد:

من البحث عن الفساد بعد وقوعه، إلى تحديد أماكن احتمال وقوعه قبل وقوعه.

لكن الأرقام الدولية تطرح السؤال الأصعب

رغم كل هذا التطور التشريعي والمؤسسي، فإن مؤشر مدركات الفساد لا يظهر تحولاً جذرياً.

فقد سجلت موريتانيا:

31/100 في 2012،
27/100 في 2016،
29/100 في 2020،
30/100 في 2023،
30/100 في 2024،
و30/100 في 2025،

واحتلت في 2025 المرتبة 130 من أصل 182 دولة.

مرة أخرى، هذا المؤشر يقيس مدركات الفساد في القطاع العام، وليس قيمة الأموال المختلسة فعلياً.

لكن ثبات النتيجة تقريباً خلال السنوات الأخيرة يطرح سؤالاً مشروعاً:

لماذا لم يتحول التطور الكبير في القوانين والمؤسسات إلى تحسن أكبر في إدراك نزاهة القطاع العام؟

هنا تبدأ المرحلة الأصعب

ربما لم تعد المشكلة الأساسية في موريتانيا هي نقص القوانين.

المشكلة أصبحت في التطبيق، والاستقلالية، وسرعة المساءلة، واسترداد الأموال، وإغلاق الثغرات التي تسمح بتكرار المخالفة.

لذلك ينبغي أن يصبح تقييم مكافحة الفساد قائماً على أرقام واضحة:

كم توصية رقابية نُفذت؟
كم صفقة أصبحت إلكترونية بالكامل؟
كم شركة أعلنت مالكها الحقيقي؟
كم من المال العام تم استرداده؟
كم قضية انتهت بحكم نهائي؟
كم تستغرق معالجة ملف فساد؟
ما نسبة العقود المنشورة للعموم؟
كم مؤسسة عمومية تنشر حساباتها المدققة؟
وكم حالة تضارب مصالح تم اكتشافها ومعالجتها؟

هذه المؤشرات أهم من عدد القوانين الصادرة.

من مكافحة الفساد إلى بناء «دولة مضادة للفساد»

المطلوب في النهاية ليس دولة تكثر فيها أجهزة الرقابة، وإنما دولة تُصمم مؤسساتها بطريقة تجعل الفساد صعباً، واكتشافه سريعاً، وعقوبته يقينية، واسترداد المال العام ممكناً، وتكرار المخالفة أكثر صعوبة.

وهذا يتطلب:

•    رقمنة كاملة للصفقات والعقار والإيرادات؛
•    نشر العقود والرخص والاتفاقيات؛
•    معرفة المستفيد الحقيقي من الشركات؛
•    تقوية استقلالية أجهزة الرقابة؛
•    تفعيل التصريح بالممتلكات والمصالح والتحقق منه؛
•    حماية المبلغين و مكافأتهم؛
•    ربط قواعد بيانات الضرائب والجمارك والعقار والحالة المدنية والمشتريات؛
•    ونشر تقارير المؤسسات العمومية وحساباتها المدققة.

وهنا بالضبط يبدأ الإصلاح الحقيقي المتمثل في الانتقال من دولة تعتمد على نزاهة الأشخاص إلى دولة تحمي نفسها من فساد الأشخاص بقوة المؤسسات والرقمنة والشفافية وسيادة القانون.

د محمد الأمين شريف أحمد...

Image
mrtel