يشكل قرار الحكومة الموريتانية القاضي بتحديد سقف لأسعار اللحوم خطوة مهمة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. في بلد تحتل فيه اللحوم مكانة أساسية في النظام الغذائي للسكان، فإن هذا القرار يستحق الإشادة.
يهدف هذا المقال إلى إثراء النقاش حول هذه الخطوة والتفكير في الآليات الكفيلة لضمان استدامتها، من خلال تحسين معرفة السوق، وإرساء تنظيم ملائم، وإشراك مختلف الأطراف المعنية.
قرار شجاع يستحق المواكبة
يعكس تحديد سقف الأسعار إرادة واضحة من الدولة للتصدي للارتفاعات غير المبررة وحماية المستهلك. غير أن هذا القرار يرتبط بإشكالية أوسع تتمثل في تحقيق التوازن بين القدرة الشرائية للمستهلك، ودخل المنمي ، وهامش الربح لدى مختلف الفاعلين في سلسلة إنتاج اللحوم.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن تحويل هذا الإجراء الظرفي إلى سياسة مستدامة لتنظيم سوق اللحوم؟
من تحديد الأسعار إلى تنظيم اقتصادي حقيقي
يمكن أن يكون تحديد سقف للأسعار فعالاً في احتواء الارتفاعات المفاجئة، لكنه ينبغي أن يستند إلى معرفة دقيقة بمكونات التكلفة، بما في ذلك أعلاف الماشية، والنقل، والذبح، والخسائر، وهوامش مختلف الوسطاء، وحجم العرض المتاح من الثروة الحيوانية.
ومن ثم، سيكون من المفيد أن يواكب هذا القرار دراسة معمقة لأثره الاقتصادي والاجتماعي، بهدف تحديد السعر الذي يستطيع المستهلك تحمله، دون الإضرار بجدوى نشاط المنمي أو التأثير سلباً على قدرة السوق على توفير احتياجاته مستقبلاً.
والهدف ينبغي أن يكون الانتقال من منطق «فرض السعر» إلى منطق «فهم السعر ومراقبته وتنظيمه».
إشكالية تصدير المواشي
غالباً ما يتم التطرق إلى تسويق الأغنام والأبقار نحو البلدان المجاورة باعتباره أحد أسباب الضغوط التي يشهدها السوق الداخلي.
غير أنه ينبغي في المقابل النظر إلى التصدير باعتباره أيضاً مصدراً مهماً لدخل المنمين. ولذلك، لا تتمثل الحلول بالضرورة في الحد منه، وإنما في تنظيم تدفقات التصدير بصورة ذكية ومتوازنة.
ومن شأن اعتماد نظام لمتابعة الصادرات، مصحوب بآلية للإنذار المبكر عند تراجع العرض الوطني إلى مستويات غير كافية، أن يساعد في تحقيق التوازن بين المصلحة الاقتصادية للمنمي والأمن الغذائي للمستهلك.
وضع المنتجين والمستهلكين في صميم منظومة التنظيم
ستعتمد استدامة القرار كذلك على مدى انخراط مختلف الفاعلين في سلسلة اللحوم وتملكهم لهذا الإجراء.
ومن المفيد إنشاء إطار دائم للحوار والتشاور يضم المنمين، والجزارين، والتجار، والناقلين، وممثلي المستهلكين، والسلطات المحلية، والمصالح البيطرية والإدارات المعنية.
كما ينبغي أن يتحول المستهلك نفسه إلى طرف فاعل في تنظيم السوق، ولا سيما من خلال آليات للإبلاغ عن الأسعار والممارسات التجارية غير السليمة.
نحو مرصد للأسعار وهوامش الربح
يمكن لموريتانيا أن تدرس إنشاء «المرصد الوطني للأسعار وهوامش الربح وأسواق المنتجات الأساسية».
وتتمثل مهام هذه الهيئة في متابعة الأسعار، وتحليل التكاليف وهوامش الربح، ومراقبة المخزونات وتدفقات الاستيراد والتصدير، وتحديد الأسعار المرجعية، واقتراح الإجراءات التصحيحية المناسبة على الحكومة.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يتطور هذا المرصد إلى «الهيئة الموريتانية لتنظيم أسواق المنتجات الأساسية»، لتشمل تدريجياً اللحوم والخضروات والحبوب والحليب والسكر والزيوت وغيرها من المواد الأساسية.
بعض الدروس المستنبطة من التجارب الدولية
اعتمدت عدة دول آليات مهمة لمتابعة الأسواق وتنظيمها. ففي فرنسا، يوجد مرصد تكوين أسعار وهوامش المنتجات الغذائية، الذي يتولى تحليل كيفية تشكل الأسعار على امتداد سلاسل الإنتاج والتسويق. كما يعتمد المغرب على مؤسسة مختصة بالمنافسة تتولى تحليل الأسواق والتصدي للممارسات المنافية للمنافسة.
ويمكن لموريتانيا الاستفادة من هذه التجارب، دون استنساخها بصورة آلية، وإنما بتكييفها مع خصوصيات اقتصادها وواقع قطاع الثروة الحيوانية فيها.
خمس توصيات لضمان استدامة القرار
1. إنجاز دراسة للأثر الاقتصادي والاجتماعي لقطاع اللحوم ولنتائج تطبيق سقف الأسعار.
2. وضع آلية دورية لمراجعة الأسعار تستند إلى معايير موضوعية، من بينها تكاليف الإنتاج والنقل والأعلاف والموسمية وتوفر الثروة الحيوانية.
3. إنشاء نظام وطني للمعلومات حول أسواق المواشي واللحوم يسمح بمتابعة الأسعار والتدفقات بصورة منتظمة وموثوقة.
4. اعتماد تنظيم ذكي للصادرات بما يحافظ في الوقت نفسه على مصالح المربين وعلى تموين السوق الوطنية.
5. مأسسة الحوار بين جميع الأطراف المعنية باعتباره شرطاً أساسياً لضمان قبول القرار واستمراريته وفعاليته.
نحو استراتيجية وطنية جديدة لتنظيم الأسواق
يشكل القرار الحكومي فرصة للانتقال إلى مرحلة جديدة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
فالتحدي لا يتمثل فقط في تحديد سقف لسعر اللحوم اليوم، وإنما في بناء سوق أكثر شفافية وعدالة وقدرة على الصمود، يحمي في الوقت ذاته المستهلك والمنتج.
إن حماية المستهلك لا تعني وضعه في مواجهة المنتج، كما أن حماية المنمي لا تعني ترك المستهلك رهينة لتقلبات السوق. والسياسة العمومية الناجعة هي التي تنجح في بناء الآلية التي تتيح للطرفين تحقيق مصالحهما بصورة متوازنة.
وعندها فقط يمكن لتحديد سقف أسعار اللحوم أن يتجاوز كونه إجراءً ظرفياً، ليصبح أداة مستدامة للعدالة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
#منصة_الحقيقة_الإخبارية
#تابعونا